|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٠۹
المشارفة یأباه السوق وقد یقال المتقین مجاز بالمشارفة والصفة ترشیح بلا مشارفة ولا تجوز کما هو المعهود فی أمثاله ونقول هو على حد نبینا محمد صلى الله تعالى علیه وسلم الشفیع یوم المحشر فلا إشکال وإن أرید به إرشاده إلى تحصیل إحدى المرتبتین الأخیرتین فإن عنى بالمتقین أصحاب المرتبة الأولى تعینت الحقیقة وإن عنى بهم أصحاب الطبقتین الأخیرتین تعین المجاز لأن الوصول إلیهما إنما یتحقق بهدایته المرقیة، وکذا الحال فیما بین المرتبة الثانیة والثالثة فإن أرید بالهدى الإرشاد إلى تحصیل المرتبة الثالثة فإن عنى بالمتقین أصحاب المرتبة الثانیة تعینت الحقیقة وإن عنى بهم أصحاب المرتبة الثالثة تعین المجاز، ولفظ الهدایة حقیقة فی جمیع الصور وأما إن أرید بکونه هدى لهم تثبیتهم على ما هم علیه وإرشادهم إلى الزیادة فیه على أن یکون مفهومها داخلا فی المعنى المستعمل فیه فهو مجاز محالة ولفظ (المتقین) حقیقة على کل حلالة کذا حققه مولانا مفتى الدیار الرومیة ومنه یعلم اندفاع ما قیل أن الهدایة إن فسرت بالدلالة الموصلة یقتضی أن یکون (هدى للمتقین) دالا على تحصیل الحاصل کأنه قیل دلالة موصلة إلى المطلوب للواصلین إلیه وإن فسرت بالدلالة على ما یوصل کان هناک محذورا آخر فإن المهتدی إلى مقصوده یکون دلالته على ما یوصله إلیه لغوا، ووجه الاندفاع ظاهر لکن حقق بعض المحققین أن الأظهر أنه لا حاجة إلى التجوز هنا لأنه إذا قیل السلاح عصمة للمعتصم والمال غنى للغنی على معنى سبب غناه وعصمته لم یلزم أن یکون السلاح والمال سبى عصمة وغنى حادثین غیر ما هما فیه، فما نحن فیه غیر محتاج للتأویل ولیس من المجاز فی شیء إذ المتقى مهتد بهذا الهدى حقیقة، وقد اختلف أهل العربیة والأصول فی الوصف المشتق هل هو حقیقة فی الحال أو الاستقبال وهل المراد زمان النسبة أو التکلم من غیر واسطة بینهما؟ والذی علیه المحققون أنه زمن النسبة، وقد ذهب السبکی والکرمانی إلى أن من قتل قتیلا فله سلبه حقیقة وخطأ من قال أنه مجاز ولا یقال إنه لا مفاد لإثبات القتل لمقتول به لأن قصد البلیغبمعونة القرینة العقلیة أن القتل المتصف به صادر عن هذا القاتل دون غیره فکأنه قیل لم یشارکه فیه غیره فسلبه له دون غیره، ومکن هنا جعل المعنى فیما نحن فیه لا هدى للمتقین إلا بکتاب اللهتعالى المتلألىء نور هدایته الساطع برهان دلالته وإذا علق حکم على اسم الإشارة الموصوف نحو عصرت هذا الخل مثلا فهناک تعلیقان فی الحقیقة تعلیق الحکم السابق بذات المشار إلیه وتعلیق الإشارة والمعتبر زمان الإشارة لا زمان الحکم السابق فإذا صح إطلاق الخل على المشار إلیه واتصافه بالخلیة مثلا فی زمان الإشارة - مع قطع النظر - عن الحکم السابق کان حقیقة وإلا فمجاز فافهم وتدبر. ثم لا یقدح فی کونه هدى ما فیه من المجمل والمتشابه لأنه لا یستلزم کونه هدى هدایته باعتبار کل جزء منه فیجوز أن یذکر فیه ما فیه ابتلاء لذوی الألباب من الفحول بما لا تصل إلیه الإفهام والعقول أو لأن ذلک لا ینفک عن بیان المراد منه کما ذهب إلیه الشافعیة فهو بعد التبیین هدى وتوقف هدایته على شیء لا یضر فیها کما أنه على رأی متوقف على تقدم الإیمان بالله تعالى ورسوله صلى الله تعالى علیه وسلم فقد نص الإمام على أنه کل ما یتوقف صحة کون القرآن حجة على صحته لا یکون القرآن هدی فیه کمعرفة ذات الله وصفاته ومعرفة النبوات لئلا یلزم الدور إلا أن یکون هدی فی تأکید ما فی العقول والاعتداد به، وبعض صحح أن القرآن فی نفسه مدى فی کل شیء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل فی أدلته العقلیة وحججه الیقینیة کما یشعر به ظاهر قوله تعالى: (شهر رمضان الذی أنزل فیه القرآن هدی للناس) ویکون الاقتصار على المتقین هنا بناء على تفسیرنا الهدایة
|