تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۸۷   

کتحقق العلة سواء کان معه إطماع أم لا على ما قیل. ولا یرد أن تعلیل الخلق وهو فعله تعالى مما لم یجوزه أکثر الأشاعرة حیث منعواعلیل أفعاله سبحان بالأغراض لئلا یلزم استکماله - عز شأنه - بالغیر وهو محال لأنا نقول الحق الذی لا محیص عنه أن أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد مع أنه سبحانه لا یجب علیه الأصلح، ومن أنکر تعلیل بعض الأفعال - لا سیما الأحکام الشرعیة کالحدود - فقد کاد أن ینکر النبوة کما قاله مولانا صدر الشریعة، والوقوف على ذلک فی کل محل مما لا یلزم، على أن بعضهم یجعل الخلاف فی المسألة لفظیا لأن العلة إن فسرت بما یتوقف علیه ویستکمل به الفاعل امتنع ذلک فی حقه سبحانه، وإن فسرت بالحکمة المقتضیة للفعل ظاهرا مع الغنى الذاتی فلا شبهة فی وقوعها ولا ینکر ذلک إلا جهول أو معاند، وإنما لم یقل سبحانه فی النظم تعبدون لأجل - اعبدوا - أو اتقوا لأجل تتقون لیتجاوب طرفاه مع اشتماله على صنعة بدیعة من رد العجز على الصدر لأن التقوى قصارى أمر العابد فیکون الکلام أبعث على العبادة وأشد إلزاما کذا قیل، وفی القلب منه شیء، وسبب حذف مفعول * (تتقون) * مما لا یخفى، وابن عباس رضی الله تعالى عنه یقدره الشرک، والضحاک النار، وأظنک لا تقدر شیئا، ولما أمر سبحانه المکلفین بعبادة الرب الواجد لهم ووصفه بما وصفه، ومعلوم أن الصفة آلة لتمییز الموصوف عما عداه وأن تعلیق الحکم بالوصف مشعر بالعلیة أشعرت الآیة أن طریق معرفته تعالى والعلم بوحدانیته واستحقاقه العبادة النظر فی صنعه، ولما کان التربیة والخلق اللذان نیط بهما العبادة سابقین على طلبها فهم أن العبد لا یستحق ثوابا حیث أنعم علیه قبل العبادة بما لا یحصى مما لا تفی الطاقة البشریة بشکره ولا تقاوم عبادته عشر عشره، واستدل بالآیة من زعم أن التکلیف بالمحال واقع حیث أمر سبحانه بعبادته من آمن به ومن کفر بعد إخباره عنهم أنهم لا یؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا یرجعون، وقد تقدم الکلام فی ذلک فارجع إلیه.
* (الذى جعل لکم الارض فراشا والسمآء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لکم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) *
* (الذی جعل لکم الأرض فراشا والسمآء بنآء) * الموصول إما منصوب على أنه نعت * (ربکم) * (البقرة: 21) أو بدل منه أو مقطوع بتقدیر أخص أو أمدح وکونه مفعول * (تتقون) * (البقرة: 21) - کما قاله أبو البقاء - إعراب غث ینزه القرآن عنه، وکونه نعت الأول یرد علیه أن النعت لا ینعت عند الجمهور إلا فی مثل یا أیها الفارس ذو الجمة، وفیه أیضا غیر مجمع علیه، وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره جملة * (فلا تجعلوا) * والفاء قد تدخل فی خبر الموصول بالماضی کقوله تعالى: * (إن الذین فتنوا المؤمنین) * إلى قوله تعالى: * (فلهم عذاب جهنم) * (البروح: 10) والاسم الظاهر یقوم مقام الرابط عند الأخفش والإنشاء یقع خبرا بالتأویل المشهور، ومع هذا کله الأولى ترک ما أوجبه وأبرد من یخ قول من زعم أنه مبتدأ خبره * (رزقا لکم) * بتقدیر یرزق، و * (جعل) * بمعنى صیر والمنصوبان بعده مفعولاه، وقیل: بمعنى أوجد وانتصاب الثانی على الحالیة أی أوجد الأرض حالة کونها مفترشة لکم فلا تحتاجون للسعی فی جعلها کذلک، ومعنى تصییرها فراشا أی کالفراش فی صحة القعود والنوم علیها أنه سبحانه جعل بعضها بارزا عن الماء مع أن مقتضى طبعها أن یکون الماء محیطا بأعلاها لثقلها وجعلها متوسطة بین الصلابة واللین لیتیسر التمکن علیها بلا مزید کلفة، فالتصییر باعتبار أنه لما کانت قابلة لما عدا ذلک فکأنه نقلت منه، وإن صح ما نقل عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما أن الأرض خلقت قبل خلق السماء غیر مدحوة فدحیت بعد خلقها ومدت فأمر التصییر حینئذ ظاهر إلا أن کل الناس غیر عالمین به، والصفة یجب أن تکون معلومة للمخاطب والذهاب إلى الطوفان، واعتبار التصییر بالقیاس إلیه من اضطراب أمواج الجهل ولا ینافی کرویتها کونها فراشا لأن الکرة إذا عظمت کان کل قطعة منها کالسطح فی افتراشه کما لا یخفى. وعبر سبحانه هنا بجعل وفیما تقدم بخلق لاختلاف المقام أو تفننا فی التعبیر کما فی قوله تعالى: * (خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) * (الأنعام: 1) وتقدیم المفعول الغیر الصریح


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب