|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۸۹
لرزق أی أخرج شیئا * (من الثمرات) * أی بعضها لأجل أنه رزقکم. وجوز أن یکون بعض الثمرات مفعول (أخرج)، و (رزقا) بمعنى مرزوقا حالا من المفعول أو نصبا على المصدر لأخرج، وإما للتبیین فرزق بمعنى مرزوق مفعول لأخرج و * (لکم) * صفته، وقد کان * (من الثمرات) * صفته أیضا إلا أنه لما قدم صار حالا على القاعدة فی أمثاله، وفی تقدیم البیان على المبین خلاف، فجوزه الزمخشری والکثیرون، ومنعه صاحب " الدر المصون " وغیره، واحتمال جعلها ابتدائیة بتقدیر من ذکر الثمرات أو تفسیر الثمرات بالبذر تعسف لا ثمرة فیه، وأل فی (الثمرات) إما للجنس أو للاستغراق وجعلها له، (ومن) زائدة لیس بشیء لأن زیادة (من) فی الإیجاب وقبل معرفة مما لم یقبل به إلا الأخفش، ویلزم من ذلک أیضا أن یکون جمیع الثمرات التی أخرجت رزقا لنا، وکم شجرة أثمرت ما لا یمکن أن یکون رزقا وأتى بجمع القلة مع أن الموضع موضع الکثرة فکان المناسب لذلک من الثمار للإیماء إلى أن ما برز فی ریاض الوجود بفیض میاه الجود کالقلیل بل أقل قلیل بالنسبة لثمار الجنة، ولما ادخر فی ممالک الغیب أو للإشارة إلى أن أجناسها من حیث إن بعضها یؤکل کله وبعضها ظاهره فقط وبعضها باطنه فقط، المشیر ذلک إلى ما یشیر قلیلة لم تبلغ حد الکثرة، وما ذکر الإمام البیضاوی وغیره من أنه ساغ هذا الجمع هنا لأنه أراد بالثمرات جمع ثمرة أرید بها الکثرة کالثمار مثلها فی قولک: أدرکت ثمرة بستانک، ولیست التاء للوحدة الحقیقیة بل للوحدة الاعتباریة، ویؤیده قراءة ابن السمیقع (من الثمرة) أو لأن الجموع یتعاور بعضها موقع بعض کقوله تعالى: * (کم ترکوا من جنات) * (الدخان: 25) و * (ثلاثة قروء) * (البقرة: 228) أو لأنها لما کانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة لا یخلو صفاؤه عن کدر کما یسفر عنه کلام الشهاب، وإذا قیل: بأن جمع السلامة المؤنث والمذکر موضوع للکثرة أو مشترک والمقام یخصصه بها اندفع السؤال وارتفع المقال إلا أن ذلک لم یذهب إلیه من الناس إلا قلیل، والباء من (به) للسببیة، والمشهور عند الأشاعرة أنها سببیة عادیة فی أمثال هذا الموضع فلا تأثیر للماء عندهم أصلا فی الإخراج بل ولا فی غیره وإنما المؤثر هو الله تعالى عند الأسباب لابها لحدیث الاستکمال بالغیر، قالوا: ومن اعتقد أن الله تعالى أودع قوة الری فی الماء مثلا فهو فاسق وفی کفره قولان، وجمع على کفره کمن قال: إنه مؤثر بنفسه فیجب عندهم أن یعتقد المکلف أن الری جاء من جانب المبدأ الفیاض بلا واسطة وصادف مجیئه شرب الماء من غیر أن یکون للماء دخل فی ذلک بوجه من الوجوه سوى الموافقة الصوریة، والفقیر لا أقول بذلک ولکنی أقول: إن الله سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعا وقدرا، وجعل الأسباب محل حکمته فی أمره الدینی الشرعی وأمره الکونی القدری ومحل ملکه وتصرفه، فإنکار الأسباب والقوى جحد للضروریات وقدح فی العقول والفطر ومکابرة للحس وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل الله تعالى شأنه مصالح العباد فی معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب والحدود والکفارات والأوامر والنواهی والحل والحرمة کل ذلک مرتبطا بالأسباب قائما بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما یصدر عنه، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، ولو تتبعنا ما یفید ذلک من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع حقیقة لا مبالغة، ویالله تعالى العجب إذا کان الله خالق السبب والمسبب وهو الذی جعل هذا سببا لهذا، والأسباب والمسببات طوع مشیئته وقدرته منقادة، فأی قد یوجب
|