|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٠۱
على الأول والمأمور بالتبشیر البشیر النذیر صلى الله علیه وسلم، وقیل: کل من یتأتى منه ذلک کما فی قوله صلى الله علیه وسلم " بشر المشائین إلى المساجد " الحدیث ففیه رمز إلى أن الأمر لعظمته حقیق بأن یتولى التبشیر به کل من یقدر علیه ویکون هناک مجاز إن کان الضمیر موضوعا لجزئی بوضع کلی وإلا ففی الحقیقة والمجاز کلام فی محله، ولم یخاطب المؤمنون کما خوطب الکفرة تفخیما لشأنهم وإیذانا تاما فإنهم أحقاء بأن یبشروا ویهنئوا بما أعد لهم، وقیل: تغییر للأسلوب لتخییل کمال التباین بین حال الفریقین، وعندی أنه سبحانه لما کسى رسوله صلى الله علیه وسلم حلة عبودیته فی قوله: * (مما نزلنا على عبدنا) * (البقرة: 23) ناسب أن یطرزها بطراز التکلیف بما یزید حب أحبابه له فیزدادوا إیمانا إلى إیمانهم، وفی ذلک من اللطف به صلى الله علیه وسلم وبهم ما لا یخفى. وقرأ زید بن علی (وبشر) مبنیا للمفعول وهو معطوف على * (أعدت) * (البقرة: 24) کما اشتهر، وقیل: إنه خبر معنى الأمر فتوافق القراءتان معنى وعطفا، وتعلیق التبشیر بالموصول للإشعار بأنه معلل بما فی حیز الصلة من الإیمان والعمل الصالح لکن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى وعده، وجعل صلته فعلا مفیدا للحدوث بعد إیراد الکفار بصیغة الفاعل لحث المخاطبین بالاتقاء على إحداث الإیمان وتحذیرهم من الاستمرار على الکفر، ثم لا یخفى أن کون مناط البشارة مجموع الأمرین لا یقتضی انتفاء البشارة عند انتفائه فلا یلزم من ذلک أن لا یدخل بالإیمان المجرد الجنة کما هو رأی المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظنی لا یعارض النصوص الدالة على أن الجنة جزاء مجرد الإیمان، ومتعلق * (آمنوا) * مما لا یخفى، وقدره بعضهم هنا بأنه منزل من عند الله عز وجل، و (الصالحات) جمع صالحة وهی فی الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح صلوحا وصلاحا خلاف فسدت، ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه، وأجریت مجرى الأسماء الجامدة فی عدم جریها على الموصوف وغیره، وتأنیثها على تقدیر الخلة وللغلبة ترک، ولم تجعل التاء للنقل لعدم صیرورتها اسما و - أل - فیها للجنس لکن لا من حیث تحققه فی الأفراد إذ لیس ذلک فی وسع المکلف ولو أرید التوزیع یلزم کفایة عمل واحد بل فی البعض الذی یبقى مع إرادته معناه الأصلی الجنسیة مع الجمعیة وهو الثلاثة أو الاثنان، والمخصص حال المؤمن فما یستطیع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد، فالمؤمن الذی لم یعمل أصلا أو عمل عملا واحدا غیر داخل فی الآیة، ومعرفة کونه مبشرا من مواقع أخر، وبعضهم جعل فیها شائبة التوزیع بأن یعمل کل ما یجب من الصالحات إن وجب قلیلا کان أو کثیرا، وأدخل من أسلم ومات قبل أن یجب علیه شیء أو وجب شیء واحد، ولیس هذا توزیعا فی المشهور - کرکب القوم دوابهم - إذ قد یطلق أیضا على مقابلة أشیاء بأشیاء أخذ کل منها ما یخصه سواء الواحد الواحد کالمثال أو الجمع الواحد کدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العکس کلبس القوم ثیابهم ومنه * (فاغسلوا وجوهکم وأیدیکم) * (المائدة: 6) والسید یسمی هذا شائبة التوزیع. * (أن لهم جنات تجری من تحتها الأنهار) * أراد سبحانه: * (بأن لهم) * الخ لتعدی البشارة بالباء فحذف لاطراد حذف الجار مع - أن، وأن - بغیر عوض لطولهما بالصلة، ومع غیرهما فیه خلاف مشهور، وفی المحل بعد الحذف قولان، النصب بنزع الخافض کما هو المعروف فی أمثاله، والجر لأن الجار بعد الحذف قد یبقى أثره ولام الجر للاستحقاق وکیفیته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذی لا یخلفه فضلا وکرما لکن بشرط الموت على الإیمان، والجنة فی الأصل المرة من الجن بالفتح مصدر جنه إذا ستره، ومدار الترکیب على الستر ثم سمی بها البستان الذی سترت أشجاره أرضه أو کل أرض فیها شجر ونخل
|