|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٣۷
وهو مبتدأ خبره * (لکم) * وفیه متعلق بما تعلق به والمتاع البلغة، مأخوذ من متع النهار إذا ارتفع ویطلق على الانتفاع الممتد وقته ولا یختص بالحقیر - والحین مقدار من الزمان قصیرا أو طویلا والمراد هنا إلى وقت الموت وهو القیامة الصغرى وقیل: إلى یوم القیامة الکبرى، وعلیه تجعل السکنى فی القبر تمتعا فی الأرض، أویجعل الخطاب شاملا لابلیس - ویراد الکل المجموعی - والجار متعلق بمتاع، قیل: أو به، وبمستقر على التنازع - أو بمقدار صفة لمتاع وهذه الجملة کالتی قبلها استئنافا وحالبة. * (فتلقى ءادم من ربه کلمات فتاب علیه إنه هو التواب الرحیم) * * (فتلقى آدم من ربه کلمات) * المراد بتلقى الکلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها، فهو مستعار من استقبال الناس بعض الأحبة - إذا قدم بعد طول الغیبة - لأنهم لا یدعون شیئا من الإکرام إلا فعلوه، وإکرام الکلمات الواردة من الحضرة الأخذ والقبول والعمل بها، وفی التعبیر - بالتلقی - إیماء إلى أن آدم علیه السلام کان فی ذلک الوقت فی مقام البعد و * (من ربه) * حال من * (کلمات) * مقدم علیها، وقیل: متعلق ب * (تلقى) * وهی من تلقاه منه بمعنى تلقنه، ولولا خلوه عما فی الأول من اللطافة لتلقیناه بالقبول، وقرأ ابن کثیر بنصب * (آدم) * ورفع * (کلمات) * على معنى - استقبلته - فکأنها مکرمة له لکونها سبب العفو عنه، وقد یجعل الاستقبال مجازا عن البلوغ بعلاقة السببیة، والمروی فی المشهور عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما، أن هذه الکلمات هی * (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا) * (الأعراف: 23) الآیة، وعن ابن مسعود أنها: سبحانک اللهم وبحمدک، وتبارک اسمک، وتعالى جدک، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسی فاغفر لی، فإنه لا یغفر الذنوب إلا أنت. وقیل: رأى مکتوبا على ساق العرش، محمد رسول الله فتشفع به، وإذا أطلقت الکلمة على عیسى علیه السلام، فلتطلق الکلمات على الروح الأعظم، والحبیب الأکرم صلى الله علیه وسلم، فما عیسى، بل وما موسى، بل وما.. وما.. إلا بعض من ظهور أنواره، وزهرة من ریاض أنواره، وروی غیر ذلک * (فتاب علیه إنه هو التوب الرحیم) * التوبة أصلها الرجوع وإذا أسندت إلى العبد کانت - کما فی الإحیاء - عبارة عن مجموع أمور ثلاثة - علم - وهو معرفة ضرر الذنب، وکونه حجابا عن کل محبوب، وحال یثمره ذلک العلم، وهو تألم القلب بسبب فوات المحبوب، ونسمیه ندما. وعمل یثمره الحال - وهو الترک والتدارک - والعزم على عدم العود، وکثیرا ما تطلق على الندم وحده لکونه لازما للعلم مستلزما للعمل. وفی الحدیث " الندم توبة " وطریق تحصیلها تکمیل الإیمان بأحوال الآخرة وضرر المعاصی فیها، وإذا أسندت إلیه سبحانه کانت عبارة عن قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه، أو التوفیق لها والتیسیر لأسبابها بما یظهر للتائبین من آیاته، ویطلعهم علیه من تخویفاته، حتى یستشعروا الخوف فیرجعوا إلیه، وترجع فی الآخرة إلى معنى التفضل والعطف، ولهذا عدیت - بعلى - وأتى سبحانه بالفاء لأن تلقی الکلمات عین التوبة، أو مستلزم لها، ولا شک أن القبول مترتب علیه، فهی إذا لمجرد السببیة، وقد یقال: إن التوبة لما دام علیها صح التعقیب - باعتبار آخرها إذ لا فاصل حینئذ - وعلى کل تقدیر لا ینافی هذا ما روى عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما، أنهما بکیا مائتی سنة على ما فاتهما، ولم یقل جل شأنه - فتاب علیهما - لأن النساء تبع یغنی عنهن ذکر المتبوع، ولذا طوى ذکرهن فی کثیر من الکتاب والسنة، وفی الجملة الاسمیة ما یقوی رجاء المذنبین، ویجبر کسر قلوب الخاطئین حیث افتتحها بأن وأتی بضمیر الفصل وعرف المسند وأتى به من صیغ المبالغة إشارة إلى قبول التوبة کلما تاب العبد، ویحتمل أن ذلک لکثرة من یتوب علیهم، وجمع بین وصفی کونه توابا وکونه رحیما
|