تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٤۸   

* (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسکم) * والهمزة فیه للتقریر مع توبیخ وتعجیب. و - البر - سعة المعروف والخیر ومنه البر، والبریة للسعة، ویتناول کل خیر، والنسیان - ما فی البحر - السهو الحادث بعد العلم. والمراد به هنا الترک لأن أحدا لا ینسى نفسه بل یحرمها ویترکها کما یترک الشیء المنسی مبالغة فی عدم المبالاة والغفلة فیما ینبغی أن یفعله، وقد نزلت هذه الآیة - على ما روی عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما - فی أحبار المدینة کانوا یأمرون سرا من نصحوه باتباع محمد صلى الله علیه وسلم ولا یتبعونه وقیل: إنهم کانوا یأمرون بالصدقة ولا یتصدقون. فالمراد بالبر هنا إما الإیمان أو الإحسان، وترکه بعضهم على ظاهره متناولا کل خیر على ما قال السدی: إنهم کانوا یأمرون الناس بطاعة الله تعالى وینهونهم عن معصیته وهم کانوا یترکون الطاعة ویقدمون على المعصیة، والتوبیخ لیس على أمر الناس بالبر نفسه بل لمقارنته بالنسیان المذکور.
* (وأنتم تتلون الکت‌اب) * أی التوراة، والجملة حال من فاعل * (أتأمرون) *، والمراد التبکیت وزیادة التقبیح * (أفلا تعقلون) * أصل هذا الکلام ونحوه عند الجمهور کان بتقدیم حرف العطف على الهمزة لکن لما کان للهمزة صدر الکلام قدمت على حرف العطف، وبعضهم ذهب إلى أنه لا تقدیم ولا تأخیر ویقدر بین الهمزة وحرف العطف ما یصح العطف علیه، و - العقل - فی الأصل المنع والإمساک، ومنه - عقال البعیر - سمی به النور الروحانی الذی به تدرک النفوس العلوم الضروریة والنظریة لأنه یحبس عن تعاطی ما یقبح ویعقل على ما یحسن، والفعل یحتمل أن یکون مطلقا أجری مجرى اللازم، ویحتمل أن یکون متعدیا مقدرا لمفعول، والمعنى - أفلا عقل لکم یمنعکم عما تعلمون سوء خاتمته ووخامة عاقبته - أو أفلا تعقلون قبح صنیعکم شرعا لمخالفة ما تتلونه فی التوراة، وعقلا لکونه جمعا بین المتنافیین، فإن المقصود من الأمر بالبر الإحسان والامتثال، والزجر عن المعصیة، ونسیانهم أنفسهم ینافی کل هذه الأغراض، ولا نزاع فی کون قبح الجمع بین ذلک عقلا بمعنى کونه باطلا فعلى هذا لا حجة للمعتزلة فی الآیة على القبح العقلی الذی یزعمونه بل قد ادعى بعض المحققین أنها دلیل على خلاف ما ذهبوا إلیه لأنه سبحانه رتب التوبیخ على ما صدر منهم بعد تلاوة الکتاب وکذا لا حجة فیها لمن زعم أنه لیس للعاصی أن یأمر بالمعروف وینهى عن المنکر لأن التوبیخ على جمع الأمرین بالنظر للثانی فقط لا منع الفاسق عن الوعظ فإن النهی عن المنکر لازم ولو لمرتکبه فإن ترک النهی ذنب وارتکابه ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا یلزم منه الإخلال بالآخر، ثم إن هذا التوبیخ والتقریع - وإن کان خطابا لبنی إسرائیل - إلا أنه عام - من حیث المعنى - لکل واعظ یأمر ولا یأتمر، ویزجر ولا ینزجر، ینادی الناس البدار البدار، ویرضى لنفسه التخلف والبوار، ویدعو الخلق إلى الحق، وینفر عنه، ویطالب العوام بالحقائق؛ ولا یشم ریحها منه. وهذا هو الذی یبدأ بعذابه قبل عبدة الأوثان، ویعظم ما یلقى لوفور تقصیره یوم لا حاکم إلا الملک الدیان.
وعن محمد بن واسع قال: بلغنی أن أناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد کنتم تأمروننا بأشیاء عملناها فدخلنا الجنة، قالوا: کنا نأمرکم بها، ونخالف إلى غیرها. هذا ومن الناس من جعل هذا الخطاب للمؤمنین، وحمل الکتاب على القرآن، فیکون ذلک من تلوین الخطاب - کما فی - * (یوسف أعرض عن هذا واستغفری) * (یوسف: 29) والظاهر یبعده.
* (واستعینوا بالصبر والصلواة وإنها لکبیرة إلا على الخ‌اشعین) *
* (واستعینوا بالصبر والصلواة) * لما أمرهم سبحانه بتارک الضلال والإضلال والتزام الشرائع، وکان ذلک شاقا علیهم - لما فیه من فوات محبوبهم وذهاب مطلوبهم - عالج مرضهم بهذا الخطاب، والصبر حبس النفس على ما تکره، وقدمه على الصلاة - لأنها لا تکمل إلا به - أو لمناسبته لحال المخاطبین،


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب