|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۷۹
نصروه، أو لنصر بعضهم لبعض، وقیل: إن عیسى علیه السلام ولد فی بیت لحم بالقدس ثم سارت به أمه إلى مصر ولما بلغ اثنی عشر سنة عادت به إلى الشام وأقامت بقریة ناصرة، وقیل: نصرایا، وقیل: نصرى، وقیل: نصرانة، وقیل: نصران - وعلیه الجوهری - فسمی من معه باسمها، أو أخذلهم اسم منها (والصبئین) هم قوم مدار مذاهبهم على التعصب للروحانیین واتخاذهم وسائط ولما لم یتیسر لهم التقرب إلیها بأعیانها والتلقی منها بذواتها فزعت جماعة منهم إلى هیاکلها، فصابئة الروم مفزعها السیارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وجماعة نزلوا عن الهیاکل إلى الأشخاص التی لا تسمع ولا تبصر ولا تغنی عن أحد شیئا. فالفرقة الأولى: هم عبدة الکواکب، والثانیة: هم عبدة الأصنام وکل من هاتین الفرقتین أصناف شتى مختلفون فی الاعتقادات والتعبدات، والإمام أبو حنیفة رضی الله تعالى عنه یقول: إنهم لیسوا بعبدة أوثان وإنما یعظمون النجوم کما تعظم الکعبة، وقیل: هم قوم موحدون یعتقدون تأثیر النجوم ویقرون ببعض الأنبیاء کیحیى علیه السلام، وقیل: إنهم یقرون بالله تعالى ویقرءون الزبور ویعبدون الملائکة ویصلون إلى الکعبة، وقیل: إلى مهب الجنوب، وقد أخذوا من کل دین شیئا، وفی جواز مناکحتهم وأکل ذبائحهم کلام للفقهاء یطلب فی محله، واختلف فی اللفظ فقیل غیر عربی، وقیل عربی من صبأ - بالهمز - إذا خرج أو من صبا معتلا بمعنى مال لخروجهم عن الدین الحق ومیلهم إلى الباطل، وقرأ نافع وحده بالیاء وذلک إما على الأصل أو الإبدال للتخفیف. * (من ءامن بالله الآخر وعمل صالحا) * أی أحدث من هذه الطوائف إیمانا بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوات، وبالنشأة الثانیة على الوجه اللائق، وأتى - بعمل صالح - حسبما یقتضیه الإیمان بما ذکر، وهذا مبنی على أول الأقوال، والقائلون بآخرها منهم من فسر الآیة بمن اتصف من أولئک بالإیمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواء کان ذلک بطریق الثبات، والدوام علیه کإیمان المخلصین، أو بطریق إحداثه، وإنشائه کإیمان من عداهم من المنافقین، وسائر الطوائف، وفائدة التعمیم للمخلصین مزید ترغیب الباقین فی الإیمان ببیان أن تأخرهم فی الاتصاف به غیر مخل بکونهم أسوة لأولئک الأقدمین، ومنهم من فسرها بمن کان منهم فی دینه قبل أن ینسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه، فیعم الحکم المخلصین من أمة محمد صلى الله علیه وسلم، والمنافقین الذین تابوا، والیهود والنصارى الذین ماتوا قبل التحریف والنسخ والصابئین الذین ماتوا زمن استقامة أمرهم إن قیل: إن لهم دینا، وکذا یعم الیهود والصابئین الذین آمنوا بعیسى علیه السلام وماتوا فی زمنه، وکذا من آمن من هؤلاء الفرق بمحمد صلى الله علیه وسلم. وفائدة ذکر (الذین آمنوا) على هذا مع أن الوعید السابق کان فی الیهود لتسکین حمیة الیهود بتسویة المؤمنین بهم فی أن کون کل فی دینه قبل النسخ: یوجب الأجر وبعده: یوجب الحرمان، کما أن ذکر الصابئین للتنبیه على أنهم مع کونهم أبین المذکورین ضلالا یتاب علیهم إذا صح منهم الإیمان والعمل الصالح، فغیرهم بالطریق الأولى وانفهام قبل النسخ من * (وعمل صالحا) * إذ لا صلاح فی العمل بعده، وهذا هو الموافق لسبب النزول لا سیما على روایة أن سلمان رضی الله تعالى عنه ذکر للنبی صلى الله علیه وسلم حسن حال الرهبان الذین صحبهم، فقال: " ماتوا وهم فی النار " فأنزل الله تعالى هذه الآیة، فقال علیه الصلاة والسلام: " من مات على دین عیسى علیه السلام قبل أن یسمع بی فهو على خیر، ومن سمع ولم یؤمن بی فقد هلک ". والمناسب لعموم اللفظ وعدم صرفه إلى تخصیص الذین آمنوا والذین هادوا والنصارى بالکفرة منهم
|