|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣٤٣
بدل من الشیاطین على قراءة التشدید، و * (ما) * فی * (وما أنزل) * نافیة، والمراد من الملکین جبرائیل ومیکائیل لأن الیهود زعموا أن الله تعالى أنزلهما بالسحر، وفی الکلام تقدیم وتأخیر، والتقدیر: (وما کفر سلیمان وما أنزل على الملکین ولکن الشیاطین هاروت وماروت کفروا یعلمون الناس السحر ببابل) وعلیه فالبدل إما بدل بعض من کل، ونص علیهما بالذکر لتمردهما، ولکونهما رأسا فی التعلیم، أو بدل کل من کل إما بناء على أن الجمع یطلق على الإثنین أو على أنهما عبارتان عن قبیلتین من الشیاطین لم یکن غیرهما بهذه الصفة، وأعجب من قوله هذا قوله: وهذا أولى ما حملت علیه الآیة من التأویل وأصح ما قیل فیها، ولا تلتفت إلى ما سواه. ولا یخفى لدی کل منصف أنه لا ینبغی لمؤمن حمل کلام الله تعالى - وهو فی أعلى مراتب البلاغة والفصاحة - على ما هو أدنى من ذلک وما هو إلا مسخ لکتاب الله تعالى عز شأنه وإهباط له عن شأواه ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى، وقیل إنهما بدل من الناس أی: یعلمون الناس خصوصا هاروت وماروت والنفی هو النفی. * (وما یعلمان من أحد حتى یقولا إنما نحن فتنة فلا تکفر) * أی ما یعلم الملکان أحدا حتى ینصحاه ویقولا له إنما نحن ابتلاء من الله عز وجل فمن تعلم منا وعمل به کفر ومن تعلم وتوقى ثبت على الإیمان فلا تکفر باعتقاده وجواز العمل به، وقیل: فلا تتعلم معتقدا إنه حق حتى تکفر، وهو مبنی - على رأی الاعتزال - من أن السحر تمویه وتخییل، ومن اعتقد حقیقته یکفر، و * (من) * مزیدة فی المفعول به لإفادة تأکید الاستغراق، وإفراد - الفتنة - مع تعدد المخبر عنه لکونها مصدرا، والحمل مواطأة للمبالغة، والقصر لبیان أنه لیس لهما فیما یتعاطیانه شأن سواها لینصرف الناس عن تعلمه، و * (حتى) * للغایة وقیل: بمعنى إلا، والجملة فی محل النصب على الحالیة من ضمیر * (یعلمون) * والظاهر أن القول مرة واحدة والقول: بأنه ثلاث أو سبع أو تسع لا ثبت له، واختلف فی کیفیة تلقی ذلک العلم منهما فقال مجاهد إنهما لا یصل إلیهما أحد من الناس وإنما یختلف إلیهما شیطانان فی کل سنة اختلافة واحدة فیتعلمان منهما، وقیل وهو الظاهر: إنهما کان یباشران التعلیم بأنفسهما فی وقت من الأوقات، والأقرب أنهما لیسا إذ ذاک على الصورة الملکیة، وأما ما أخرجه ابن جریر وابن أبی حاتم والحاکم وصححه والبیهقی فی " سننه " عن عائشة رضی الله تعالى عنها أنها قالت: قدمت علی امرأة من أهل دومة الجندل تبتغی رسول الله صلى الله علیه وسلمبعد موته تسأله عن شیء دخلت فیه من أمر السحر ولم تعمل به قالت: کان لی زوج غاب عنی فدخلت على عجوز فشکوت إلیها فقالت: إن فعلت ما آمرک اجعله یأتیک فلما کان اللیل جاءتنی بکلبین أسودین فرکبت أحدهما ورکبت الآخر فلم یکن کشیء حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برجلین معلقین بأرجلهما، فقالا: ما جاء بک؟ فقلت أتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تکفری وراجعی، فأبیت وقلت: لا، قالا: فاذهبی إلى ذلک التنور فبولی به، إلى أن قالت: فذهبت فبلت فیه، فرأیت فارسا مقنعا بحدید خرج منی حتى ذهب إلى السماء وغاب عنی حتى ما أراه، فجئتهما وذکرت لهما فقالا: صدقت، ذلک إیمانک خرج منک، اذهبی فلن تریدی شیئا إلا کان - الخبر بطوله - فهو ونظائره - مما ذکره المفسرون من القصص فی هذا الباب - مما لا یعول علیه ذوو الألباب، والإقدام على تکذیب مثل هذه الامرأة الدوجندیة أولى من اتهام العقل فی قبول هذه الحکایة التی لم یصح فیها شیء عن رسول رب البریة صلى الله علیه وسلم، ویا لیت کتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التی لا یصدقها العاقل ولو کانت أضغاث أحلام، واستدل بالآیة من جوز تعلم السحر، ووجهه أن فیها دلالة على وقوع التعلیم من الملائکة مع عصمتهم، والتعلم مطاوع له، بل هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار کالإیجاب
|