|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۷۷
راعى الأدب فی طلبه من جعل بعض ذریته نبیا کما جعل مع تعیین جنس البعض الذی أبهم فی دعائه علیه السلام بأبلغ وجه وآکده حیث نفى الحکم عن أحد الضدین مع الإشعار إلى دلیل نفیه عنه لیکون دلیلا على الثبوت للآخر فالمتبادر من العهد الإمامة، ولیست هی هنا إلا النبوة، وعبر عنها * (به) * للإشارة إلى أنها أمانة الله تعالى وعهده الذی لا یقوم به إلا من شاء الله تعالى من عباده، وآثر النیل على الجعل إیماء إلى أن إمامة الأنبیاء من ذریته علیهم السلام لیست بجعل مستقبل بل هی حاصلة فی ضمن إمامته تنال کلا منهم فی وقته المقدر له، ولا یعود من ذلک نقص فی رتبة نبوة نبینا صلى الله علیه وسلم لأنه جار مجرى التغلیب على أن مثل ذلک لو کان یحط من قدرها لما خوطب صلى الله علیه وسلم بقوله تعالى: * (أن اتبع ملة إبراهیم) * (النحل: 123) والمتبادر من - الظلم - الکفر لأنه الفرد الکامل من أفراده، ویؤیده قوله تعالى: * (والکافرون هم الظالمون) * (البقرة: 254) فلیس فی الآیة دلالة على عصمة الأنبیاء علیهم السلام من الکبائر قبل البعثة ولا على أن الفاسق لا یصلح للخلافة، نعم فیها قطع إطماع الکفرة الذین کانوا یتمنون النبوة، وسد أبواب آمالهم الفارغة عن نیلها، واستدل بها بعض الشیعة على نفی إمامة الصدیق وصاحبیه رضی الله تعالى عنهم حیث إنهم عاشوا مدة مدیدة على الشرک و * (إن الشرک لظلم عظیم) * (لقمان: 13) والظالم بنص الآیة لا تناله الإمامة، وأجیب بأن غایة ما یلزم أن الظالم فی حالة الظلم لا تناله، والإمامة إنما نالتهم رضی الله تعالى عنهم فی وقت کمال إیمانهم وغایة عدالتهم، واعترض بأن * (من) * تبعیضیة فسؤال إبراهیم علیه السلام الإمامة إما للبعض العادل من ذریته مدة عمره أو الظالم حال الإمامة سواء کان عادلا فی باق العمر أم لا، أو العادل فی البعض الظالم فی البعض الآخر أو الأعم، فعلى الأول: یلزم عدم مطابقة الجواب، وعلى الثانی: جهل الخلیل، وحاشاه وعلى الثالث: المطلوب، وحیاه، وعلى الرابع: إما المطلوب أو الفساد وأنت خبیر بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التی یدعونها - ودون إثباته خرط القتاد - وتصریح البعض کالجصاص لا یبنى علیه إلزام الکل، وعلى تقدیر التنزل یجاب بأنا نختار أن سؤال الإمامة بالمعنى الأعم للبعض المبهم من غیر إحضار الاتصاف بالعدالة والظلم حال السؤال، والآیة إجابة لدعائه مع زیادة على ما أشرنا إلیه، وکذا إذا اختیر الشق الأول بل الزیادة علیه زیادة، ویمکن الجواب باختیار الشق الثالث أیضا بأن نقول: هو على قسمین، أحدهما: من یکون ظالما قبل الإمامة ومتصفا بالعدالة وقتها اتصافا مطلقا بأن صار تائبا من المظالم السابقة فیکون حال الإمامة متصفا بالعدالة المطلقة، والثانی من یکون ظالما قبل الإمامة ومحترزا عن الظلم حالها لکن غیر متصف بالعدالة المطلقة لعدم التوبة، ویجوز أن یکون السؤال شاملا لهذا القسم ولا بأس به إذا أمن الرعیة من الفساد الذی هو المطلوب یحصل به؛ فالجواب بنفی حصول الإمامة لهذا القسم، والشیخان وعثمان رضی الله تعالى عنهم لیسوا منه بل هم فی أعلى مراتب القسم الأول متصفون بالتوبة الصادقة، والعدالة المطلقة، والإیمان الراسخ، والإمام لا بد أن یکون وقت الإمامة کذلک، ومن کفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا یصح أن یطلق علیه أنه کافر أو ظالم فی لغة وعرف وشرع إذ قد تقرر فی الأصول أن المشتق فیما قام به المبدأ فی الحال حقیقة، وفی غیره مجاز، ولا یکون المجاز أیضا مطردا بل حیث یکون متعارفا وإلا لجاز صبی لشیخ ونائم لمستیقظ، وغنی لفقیر، وجائع لشبعان، وحی لمیت وبالعکس، وأیضا لو اطرد ذلک یلزم من حلف لا یسلم على کافر فسلم على إنسان مؤمن فی الحال إلا أنه کان کافرا قبل بسنین متطاولة أن یحنث ولا قائل به، هذا ومن أصحابنا من جعل الآیة دلیلا على عصمة الأنبیاء عن الکبائر قبل البعثة وأن الفاسق لا یصح للخلافة، ومبنى ذلک حمل العهد على الإمامة وجعلها شاملة للنبوة والخلافة، وحمل الظالم على من ارتکب معصیة مسقطة للعدالة
|