|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٠۵
بتوسط إلا ، کما ینتصب الطیالسة ونحوها فی قولک
جاء البرد والطیالسة ، وما صنعت وأباک ، عن الجملة التی قبل الواو بتوسط الواو .
ویدل على ذلک قولهم ما جاءنی إلا زید ، فلو کان لإلا ، أو لما یدل علیه عمل فی
المستثنى ، لجاز نصب هذا ، کما أنک لو قلت : أستثنی زیدا ، لنصبته .
فإن قیل : لا یجوز النصب هنا لأن الفعل یبقى فارغا بلا فاعل ؟ قیل : فهلا
ذلک امتناع هذا من الجواز على أن ما بعد ( إلا ) متصل بما قبلها ، وأنه لیس لإلا فیه
عمل ، ولا أثر ، إلا ما یدل علیه من معنى الاستثناء !
المعنى : ثم عاد سبحانه إلى ذکر بنی إسرائیل ، فقال : ( و ) اذکروا ( إذ
أخذنا میثاق بنی إسرائیل ) أی : عهدهم . وقیل : المیثاق الأدلة من جهة العقل
والشرع . وقیل : هو مواثیق الأنبیاء على أممهم . والعهد والمیثاق لا یکون إلا
بالقول ، فکأنه قال : أمرناهم ، ووصیناهم ، وأکدنا علیهم ، وقلنا لهم : والله
( لا تعبدون ) إذا حملناه على جواب القسم ، وإذا حملناه على الحال ، أو
على أن معناه الأمر ، فکما قلناه قبل . وإذا حملناه على حذف أن ، فتقدیره :
وإذ أخذنا ، میثاق بنی إسرائیل بأن لا تعبدوا ( إلا الله ) وحده دون ما سواه من
الأنداد ، وبان تحسنوا إلى ( الوالدین إحسانا ) . والإحسان الذی علیهم المیثاق
بأن یفعلوه إلى الوالدین هو ما فرض على أمتنا أیضا من فعل المعروف بهما ،
والقول الجمیل ، وخفض جناح الذل لهما ، والتحنن علیهما ، والرأفة بهما ،
والدعاء بالخیر لهما ، وما أشبه ذلک .
وقوله ( وذی القربى ) أی وبذی القربى أن تصلوا قرابته ورحمه . ( والیتامى )
أی : وبالیتامى أن تعطفوا علیهم بالرأفة والرحمة ( والمساکین ) أی : وبالمساکین أن
تؤتوهم حقوقهم التی أوجبها الله علیهم فی أموالهم .
وقوله : ( وقولوا للناس حسنا ) فیه عدول إلى الخطاب بعد الخبر ، وإنما
استجازت العرب ذلک ، لأن الخبر إنما کان عمن خاطبوه بعینه ، لا عن غیره . وقد
یخاطبون أیضا ثم یصیرون بعد الخطاب إلى الخبر ، فمثال الأول قول عنترة :
شطت مزار العاشقین فأصبحت * عسرا علی طلابک ابنة مخرم ( 1 )
ومثال الثانی قول کثیر عزة :
أسیئی بنا ، أو أحسنی ، لا ملومة * لدینا ، ولا مقلیة إن تقلت
وقیل معناه : قلنا لهم قولوا . واختلف فی معنى قوله ( حسنا ) فقیل : هو القول
الحسن الجمیل ، والخلق الکریم ، وهو مما ارتضاه الله ، وأحبه ، عن ابن عباس .
وقیل : هو الأمر بالمعروف ، والنهی عن المنکر ، عن سفیان الثوری . وقال الربیع بن
انس : قولوا للناس حسنا أی : معروفا .
وروى جابر عن أبی جعفر الباقر علیه السلام ، فی قوله ( وقولوا للناس حسنا )
قال : قولوا للناس أحسن ما تحبون أن یقال لکم ، فإن الله یبغض اللعان السباب
الطعان على المؤمنین ، الفاحش المتفحش السائل الملحف ، ویحب الحلیم العفیف
المتعفف .
__________________________
( 1 ) وفی المحکی عن ( شرح الزوزنی ) : " حلت بأرض الزائرین فأصبحت " ولعل هذا أنسب .
|