|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٠۷
الحرکة على أنه استعمل محذوفا والنفس : مأخوذة من النفاسة وهی الجلالة .
فنفس الانسان : أنفس ما فیه والدار : هی المنزل الذی فی أبنیة المقام بخلاف منزل
الارتحال . وقال الخلیل : کل موضع حله قوم ، فهو دار لهم ، وإن لم یکن فیه
أبنیة . والإقرار : الاعتراف . والشهادة : أخذ من المشاهدة وهو الإخبار عن الشئ
بما یقوم مقام المشاهدة فی المعرفة .
الاعراب : تقدیر الإعراب فی هذه الآیة مثل الذی قلناه فی الآیة الأولى
على السواء .
المعنى : ثم عطف سبحانه على ما تقدم من الاخبار عن الیهود بنقض
المواثیق والعهود ، بقوله : ( وإذ أخذنا میثاقکم ) أی : میثاق أسلافکم الذین
کانوا فی زمن موسى والأنبیاء الماضین ، صلوات الله على نبینا وعلیهم
أجمعین . وإنما أضاف المیثاق إلیهم لما کانوا أخلافا لهم على ما سبق الکلام
فیه . وقوله : ( لا تسفکون دماءکم ) معناه : لا یقتل بعضکم بعضا ، لأن فی
قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه ، إذا کانت ملتهما واحدة ، ودینهما واحدا ،
وأهل الدین الواحد بمنزلة الرجل الواحد فی ولایة بعضهم بعضا .
قال النبی صلى الله علیه وآله وسلم : ( إنما المؤمنون فی تراحمهم وتعاطفهم بمنزلة الجسد
الواحد ، إذا اشتکى منه عضو واحد تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) . هذا
قول قتادة ، وأبی العالیة . وقیل : معناه لا یقتل الرجل منکم غیره فیقاد به قصاصا ،
فیکون بذلک قاتلا لنفسه ، لأنه کالسبب فیه .
وقوله : ( ولا تخرجون أنفسکم من دیارکم ) معناه : لا یخرج بعضکم بعضا
من دیارکم بأن تغلبوا على الدار . وقیل : معناه لا تفعلوا ما تستحقون به الإخراج من
دیارکم ، کما فعله بنو النضیر . وقوله : ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) أی : أقررتم
بذلک ، وأنتم شاهدون على من تقدمکم بأخذنا منهم المیثاق ، وبما بذلوه من أنفسهم
من القبول والالتزام . وقیل : معنى إقرارهم هو الرضاء به ، والصبر علیه ، کما قال
الشاعر ( 1 ) :
ألست کلیبیا إذا سیم خطة * أقر کإقرار الحلیلة للبعل
واختلف فی المخاطب بقوله ( وأنتم تشهدون ) فقیل : الیهود الذین بین ظهرانی
مهاجر رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم ، أیام هجرته إلیهم وبخهم الله تعالى على تضییعهم أحکام ما
فی أیدیهم من التوراة التی کانوا یقرون بحکمها ، وقال لهم : ثم ( أقررتم ) یعنی :
أقر أولکم وسلفکم وأنتم تشهدون على إقرارهم بأخذی المیثاق علیهم ، بأن لا تسفکوا
دماءکم ، ولا تخرجوا أنفسکم من دیارکم ، وتصدقون بذلک ، عن ابن عباس .
وقیل : إنه خبر من الله عز وجل عن أوائلهم ، ولکنه أخرج الخبر بذلک مخرج
المخاطبة لهم على النحو الذی تقدم فی الآیات ، ( وأنتم تشهدون ) أی : وأنتم
شهود ، عن أبی العالیة . ویحتمل قوله ( وأنتم تشهدون ) أمرین : أحدهما : إن معناه
وأنتم تشهدون على أنفسکم بالإقرار .
_________________________
( 1 ) وهو بعیث یهجو بنی کلیب ، ونسبه بعضهم إلى الفرزدق .
|