|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۱۹
وأما قوله : ( أن یکفروا بما أنزل الله ) فموضعه رفع ، وهو المخصوص
بالذم . فإن شئت رفعته على أنه مبتدأ مؤخر ، وإن شئت على أنه خبر مبتدأ محذوف
أی : : هذا الشئ المذموم کفرهم بما أنزل الله . وقوله ( بغیا ) : نصب بأنه مفعول له
کقول حاتم :
وأغفر عوراء الکریم ادخاره ، * وأعرض عن شتم اللئیم تکرما
المعنى أغفر عوراءه لادخاره ، وأعرض عن الشتم للتکرم . وموضع أن الثانیة
نصب على حذف حرف الجر ، یعنی بغیا لأن ینزل الله أی : من أجل أن ینزل الله .
المعنى : ثم ذم الله سبحانه الیهود بإیثارهم الدنیا على الدین ، فقال :
( بئسما اشتروا به أنفسهم ) أی : بئس شیئا باعوا به أنفسهم ، أو بئس الشئ
باعوا به أنفسهم ( أن یکفروا ) أی : کفرهم ( بما أنزل الله ) یعنی القرآن ،
ودین الاسلام المنزل على محمد صلى الله علیه وآله وسلم .
فإذا سئل : کیف باعت الیهود أنفسها بالکفر ؟ فالجواب : إن البیع والشراء إزالة
ملک المالک إلى غیره بعوض یعتاضه منه ، ثم یستعمل ذلک فی کل معتاض من عمله
عوضا ، خیرا کان أو شرا . فالیهود لما أوبقوا أنفسهم بکفرهم بمحمد صلى الله علیه وآله وسلم
وأهلکوا ، خاطبهم الله بما کانوا یعرفونه ، فقال : بئس الشئ رضوا به عوضا من
ثواب الله ، وما أعده لهم لو کانوا آمنوا بالله ، وما أنزل الله على نبیه النار وما أعد لهم
بکفرهم . ونظیر ذلک الآیات فی سورة النساء من قوله : ( ألم تر الذین أوتوا نصیبا من
الکتاب یؤمنون بالجبت والطاغوت ) - إلى قوله - ( وآتیناهم ملکا عظیما ) .
وقوله : ( بغیا ) أی : حسدا لمحمد صلى الله علیه وآله وسلم إذ کان من ولد إسماعیل ، وکانت
الرسل قبل من بنی إسرائیل . وقیل : طلبا لشئ لیس لهم . ثم فسر ذلک بقوله :
( أن ینزل الله من فضله على من یشاء من عباده ) وهو الوحی والنبوة . وقوله : ( فباءوا
بغضب على غضب ) معناه : رحبت الیهود من بنی إسرائیل بعد ما کانوا علیه من
الإنتصار ( 1 ) بمحمد ، والاستفتاح به ، والاخبار بأنه نبی مبعوث ، مرتدین ناکصین على
أعقابهم حین بعثه الله نبیا ، بغضب من الله استحقوه منه بکفرهم .
وقال مؤرج : معنى باءوا بغضب : استوجبوا اللعنة بلغة جرهم . ولا یقال باء
مفردة حتى یقال إما بخیر وإما بشر . وقال أبو عبیدة : فباؤا بغضب احتملوه ، وأقروا
به . وأصل البوء : التقریر والاستقرار . وقوله : ( على غضب ) فیه أقوال أحدها : إن
الغضب الأول : حین غیروا التوراة قبل مبعث النبی ، والغضب الثانی : حین کفروا
بمحمد صلى الله علیه وآله وسلم ، عن عطاء ، وغیره . وثانیها : إن الغضب الأول : حین عبدوا
العجل ، والثانی : حین کفروا بمحمد ، عن السدی . وثالثها : إن الأول : حین
کفروا بعیسى علیه السلام ، والثانی : حین کفروا بمحمد صلى الله علیه وآله وسلم ، عن الحسن ، وعکرمة ،
وقتادة .
____________________________
( 1 ) وفی نسخنا ( الإستنصار ) بدل ( الإنتصار ) وهو الظاهر .
|