تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۲۲٣   

وإن کان الجناح لا یقول ذلک ، وإنما رجع سبحانه
عن لفظ الخطاب إلى الخبر عن الغائب ، على عادة العرب المألوفة .
واختلف فی هذا الضمیر إلى من یعود ، فقیل : إلى الیهود الذین کانوا فی عصر
النبی صلى الله علیه وآله وسلم ، فإنهم قالوا ذلک ثم رجع إلى حدیث أوائلهم فقال : ( وأشربوا ) .
وقیل : إلى الیهود الذین کانوا فی عصر موسى علیه السلام ، إذ ردوا علیه قوله وقابلوه
بالعصیان . وقوله : ( واشربوا فی قلوبهم ) فمعناه : دخل قلوبهم ( حب العجل )
وإنما عبر عن حب العجل بالتسرب دون الأکل ، لأن شرب الماء یتغلغل فی الأعضاء
حتى یصل إلى بواطنها ، والطعام یجاوز الأعضاء ، ولا یتغلغل فیها ، قال الشاعر :
تغلغل حیث لم یبلغ شراب ، * ولا حزن ، ولم یبلغ سرور
ولیس المعنى فی قوله ( وأشربوا ) أن غیرهم فعل ذلک بهم ، بل هم الفاعلون
لذلک کما یقول القائل : أنسیت ذلک ، من النسیان ، ولیس یرید أن غیره فعل ذلک
به . ویقال : أوتی فلان علما جما ، وإن کان هو المکتسب له . وقوله : ( بکفرهم )
لیس معناه انهم أشربوا حب العجل جزاء على کفرهم ، لأن محبة العجل کفر قبیح ،
والله سبحانه لا یفعل الکفر فی العبد ، لا ابتداء ولا جزاء ، بل معناه : إنهم کفروا
بالله تعالى بما أشربوه من محبة العجل . وقیل : إنما أشرب حب العجل قلوبهم من
زینه عندهم ، ودعاهم إلیه کالسامری ، وشیاطین الجن والإنس . فقوله : ( بکفرهم )
معناه : لاعتقادهم التشبیه ، وجهلهم بالله تعالى ، وتجویزهم العبادة لغیره ، اشربوا فی
قلوبهم حب العجل ، لأنهم صاروا إلى ذلک لهذه المعانی التی هی کفر . وقول من
قال : فعل الله ذلک بهم عقوبة ومجازاة ، غلط فاحش ، لأن حب العجل لیس من
العقوبة فی شئ ولا ضرر فیه . وقوله : ( قل بئسما یأمرکم به إیمانکم ) معناه : قل یا
محمد لهؤلاء الیهود : بئس الشئ الذی یأمرکم به إیمانکم ، إن کان یأمرکم بقتل
أنبیاء الله ورسله ، والتکذیب بکتبه وجحد ما جاء من عنده . ومعنى إیمانهم تصدیقهم
بالذی زعموا أنهم مصدقون به من کتاب الله بقولهم : ( نؤمن بما أنزل علینا ) .
وقوله : ( إن کنتم مؤمنین ) أی : مصدقین کما زعمتم بالتوراة . وفی هذا نفی عن
التوراة أن یکون یأمر بشئ یکرهه الله من أفعالهم ، وإعلام بأن الذی یأمرهم بذلک
أهواؤهم ، ویحملهم علیه آراؤهم .

قوله تعالى : ( قل إن کانت لکم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس


فتمنوا الموت إن کنتم صادقین ( 94 ) ) .
اللغة : الخالصة : الصافیة . یقال : خلص لی هذا الأمر أی : صار لی
وحدی ، وصفا لی یخلص خلوصا وخالصة مصدر کالعافیة . واصل الخلوص :
أن یصفو الشئ من کل شائبة . ودون : یستعمل على ثلاثة أوجه : أن یکون
الشئ دون الشئ فی المکان ، وفی الشرف ، وفی الإختصاص ، وهو المراد
فی الآیة . والتمنی : من جنس الأقوال عند أکثر المتکلمین ، وهو أن


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب