|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۲۹
قال : ذاک عدونا ینزل بالقتال والشدة والحرب ،
ومیکائیل ینزل بالیسر والرخاء ، فلو کان میکائیل هو الذی یأتیک لآمنا بک .
المعنى : فأنزل الله تعالى هذه الآیة جوابا للیهود ، وردا علیهم ، فقال :
( قل ) لهم یا محمد ( من کان عدوا لجبریل ) إذا کان هو المنزل للکتاب علیک
( فإنه نزله على قلبک بإذن الله ) لا من تلقاء نفسه ، وإنما أضافه إلى قلبه ، لأنه
إذا أنزل علیه کان یحفظه ویفهمه بقلبه . ومعنى قوله ( بإذن الله ) بأمر الله .
وقیل : أراد بعلمه ، أو بإعلام الله إیاه ما ینزل على قلبک . وقوله : ( مصدقا لما
بین یدیه ) معناه : موافقا لما بین یدیه من الکتب ، ومصدقا له بأنه حق ، وبأنه
من عند الله ، لا مکذبا لها .
( وهدى وبشرى للمؤمنین ) معناه : إن کان فیما أنزله الأمر بالحرب والشدة
على الکافرین ، فإنه هدى وبشرى للمؤمنین . وإنما خص الهدى بالمؤمنین من حیث
کانوا هم المهتدین به ، العاملین ( 1 ) بما فیه ، وإن کان هدى لغیرهم أیضا . وقیل :
أراد بالهدى الرحمة والثواب ، فلذلک خصه بالمؤمنین ، ومعنى البشرى أن فیه البشارة
لهم بالنعیم الدائم . وإن جعلت مصدقا ، وهدى ، وبشرى ، حالا لجبریل ، فالمعنى
أنه یصدق بکتب الله الأولى ، ویأتی بالهدى والبشرى . وإنما قال سبحانه ( على
قلبک ) ، ولم یقل على قلبی ، على العرف المألوف ، کما تقول لمن تخاطبه : لا
تقل للقوم إن الخبر عندک ، ویجوز أن تقول لا تقل لهم إن الخبر عندی ، وکما تقول
قال القوم جبریل عدونا . ویجوز أن تقول قالوا جبریل عدوهم .
وأما قوله تعالى : ( من کان عدوا لله وملائکته ورسله ) فمعناه : من کان معادیا
لله ، أی : یفعل فعل المعادی من المخالفة والعصیان ، فإن حقیقة العداوة طلب
الاضرار به ، وهذا یستحیل على الله تعالى . وقیل : المراد به معاداة أولیائه کقوله
( إن الذین یؤذون الله ) . وقوله ( وملائکته ) أی : ومعادیا لملائکته ورسله ( وجبریل
ومیکال ) . وإنما أعاد ذکرهما لفضلهما ومنزلتهما ، کقوله تعالى : ( فیهما فاکهة
ونخل ورمان ) . وقیل : إنما أعاد ذکرهما لأن الیهود قالت : جبریل عدونا ، ومیکائیل
ولینا . فخصهما الله بالذکر ، لأن النزاع جرى فیهما فکان ذکرهما أهم ، ولئلا تزعم
الیهود أنهما مخصوصان من جملة الملائکة ، ولیسا بداخلین فی جملتهم ، فنص الله
تعالى علیهما لیبطل ما یتأولونه من التخصیص .
ثم قال : ( فإن الله عدو للکافرین ) ولم یقل فإنه . وکرر اسم الله لئلا یظن أن
الکنایة راجعة إلى جبرائیل . أو میکائیل ، ولم یقل لهم ، لأنه قد یجوز أن ینتقلوا عن
العداوة بالإیمان . وقد طعن بعض الملحدة فی هذا ، فقال : کیف یجوز أن یقول
عاقل أنا عدو جبریل ؟ ولیس هذا القول من الیهود بمستنکر ولا عجب ، مع ما أخبر
الله تعالى عن قولهم ، بعد مشاهدتهم فلق البحر ،
_____________________________
( 1 ) وفی جملة من النسخ : " العالمین " بدل " العاملین " .
|