|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٣۹
ما کانت تتلوه الشیاطین وتأثره وترویه ، کان کفرا إذ برأ سلیمان علیه السلام منه ،
ولم یبین سبحانه بقوله ( ما تتلو الشیاطین على ملک سلیمان ) أنها أی شئ کانت تتلو
الشیاطین . ثم لم یبین بقوله سبحانه ( وما کفر سلیمان ) أن ذلک الکفر أی نوع من
أنواع الکفر ، حتى قال ( ولکن الشیاطین کفروا یعلمون الناس السحر ) فبین سبحانه
أن ذلک الکفر کان من نوع السحر ، فإن الیهود أضافوا إلى سلیمان السحر ، وزعموا
أن ملکه کان به ، فبرأه الله منه ، وهو قول ابن عباس وابن جبیر وقتادة .
واختلف فی السبب الذی لأجله أضافت الیهود السحر إلى سلیمان علیه السلام ،
فقیل : إن سلیمان کان قد جمع کتب السحرة ، ووضعها فی خزانته . وقیل : کتمها
تحت کرسیه لئلا یطلع علیها الناس ، ولا یعلموا بها . فلما مات سلیمان استخرجت
السحرة تلک الکتب ، وقالوا : إنما تم ملک سلیمان بالسحر ، وبه سخر الإنس والجن
والطیر ، وزینوا السحر فی أعین الناس بالنسبة إلى سلیمان علیه السلام ، وشاع ذلک فی
الیهود وقبلوه لعداوتهم لسلیمان ، عن السدی .
وروی العیاشی بإسناده عن أبی بصیر ، عن أبی جعفر علیه السلام قال : لما هلک
سلیمان وضع إبلیس السحر ، ثم کتبه فی کتاب ، وأطواه ، وکتب على ظهره : هذا ما
وضع آصف بن برخیا من ملک سلیمان بن داود من ذخائر کنوز العلم ، من أراد کذا
وکذا فلیقل کذا وکذا . ثم دفنه تحت السریر ، ثم استثاره لهم ، فقال الکافرون : ما
کان یغلبنا سلیمان إلا بهذا . وقال المؤمنون : هو عبد الله ونبیه . فقال الله فی کتابه :
( واتبعوا ما تتلو الشیاطین ) الآیة . وفی قوله ( ولکن الشیاطین کفروا ) ثلاثة أقوال
أحدها : إنهم کفروا بما استخرجوه من السحر . وثانیها : إنهم کفروا بما نسبوا إلى
سلیمان من السحر . وثالثها : إنهم سحروا فعبر عن السحر بالکفر .
وفی قوله : ( یعلمون الناس السحر ) قولان أحدهما : إنهم ألقوا السحر إلیهم
فتعلموه والثانی : إنهم دلوهم على استخراجه من تحت الکرسی ، فتعلموه . وقوله
( وما أنزل على الملکین ببابل هاروت وماروت ) فیه وجوه :
أحدها : إن المراد أن الشیاطین یعلمون الناس السحر ، والذی أنزل على
الملکین ، وإنما أنزل على الملکین وصف السحر ، وماهیته ، وکیفیة الاحتیال فیه ،
لیعرفا ذلک ، ویعرفاه الناس فیجتنبوه ، غیر أن الشیاطین لما عرفوه استعملوه ، وإن
کان المؤمنون إذا عرفوه اجتنبوه وانتفعوا بالاطلاع على کیفیته . وثانیها : أن یکون
المراد على ما ذکرناه قبل من أن معناه واتبعوا ما کذبت به الشیاطین على ملک
سلیمان ، وعلى ما أنزل على الملکین أی : معهما وعلى ألسنتهما ، کما قال
سبحانه : ( ما وعدتنا على رسلک ) أی : معهم ، وعلى ألسنتهم .
|