تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٤۱   

کانا یعلمان الناس کیفیة السحر ، وینهیان عن
فعله ، لیکون النهی بعد العلم ، فإن من لا یعرف الشئ لا یمکنه اجتنابه . وقال
آخرون : لم یکن لهما تعلیم السحر لما فی ذلک من الإغراء بفعله ، وإنما أهبطا
لمجرد النهی ، إذ کان السحر فاشیا .
وقیل أیضا فی سبب هبوطهما : إن الملائکة تعجبت من معاصی بنی آدم مع
کثرة نعم الله علیهم فقال طائفة منهم : " یا ربنا أما تغضب مما یعمل خلقک فی
أرضک ، ومما یفترون علیک من الکذب والزور ، ویرتکبونه من المعاصی ، وقد
نهیتهم عنها وهم فی قبضتک ، وتحت قدرتک " فأحب الله سبحانه أن یعرفهم ما من به
علیهم من عجیب خلقهم ، وما طبعهم علیه من الطاعة ، وعصمهم به من الذنوب ،
فقال لهم : " اندبوا منکم ملکین حتى أهبطهما إلى الأرض ، وأجعل فیهما من طبائع
المطعم والمشرب ، والشهوة والحرص والأمل ، مثل ما جعلت فی ولد آدم ، ثم
أختبرهما فی الطاعة لی " . قال : فندبوا لذلک هاروت وماروت ، وکانا من أشد
الملائکة قولا فی العیب لولد آدم ، واستجرار عتب الله علیهم . قال : فأوحى الله
إلیهما أن اهبطا إلى الأرض ، فقد جعلت فیکما من طبائع المطعم والمشرب ،
والشهوة والحرص والأمل ، مثل ما جعلت فی ولد آدم ، وانظرا أن لا تشرکا بی شیئا ،
ولا تقتلا النفس التی حرم الله قتلها ، ولا تزنیا ، ولا تشربا الخمر .
ثم أهبطهما إلى الأرض على صورة البشر ولباسهم ، فرفع لهما بناء مشرف ،
فأقبلا نحوه ، فإذا امرأة جمیلة حسناء ، أقبلت نحوهما فوقعت فی قلوبهما موقعا
شدیدا ، ثم إنهما ذکرا ما نهیا عنه من الزنا فمضیا ، ثم حرکتهما الشهوة فرجعا إلیها
فراوداها عن نفسها ، فقالت : إن لی دینا أدین به ، ولست أقدر فی دینی على أن
أجیبکما إلى ما تریدان ، إلا أن تدخلا فی دینی ! فقالا : وما دینک ؟ فقالت : لی إله
من عبده وسجد له کان لی السبیل إلى أن أجیبه إلى کل ما سألنی . قالا : وما إلهک ؟
قالت : هذا الصنم . قال : فائتمرا بینهما فغلبتهما الشهوة التی جعلت فیهما ، فقالا
لها : نجیبک إلى ما سألت . قالت : فدونکما فاشربا الخمر ، فإنه قربان لکما عنده ،
وبه تصلان إلى ما تریدان . فقالا : هذه ثلاث خصال قد نهانا ربنا عنها : الشرک والزنا
وشرب الخمر . فائتمرا بینهما ، ثم قالا لها : ما أعظم البلیة بک ، قد أجبناک .
قال : فشربا الخمر ، وسجدا للصنم ، ثم راوداها عن نفسها . فلما تهیأت لهما
دخل علیهما سائل یسأل ، فلما رأیاه فزعا منه ، فقال لهما : إنکما لمریبان قد خلوتما
بهذه المرأة الحسناء ، إنکما لرجلا سوء ، وخرج عنهما . فقالت لهما : بادرا إلى هذا
الرجل فاقتلاه قبل أن یفضحکما ویفضحنی ، ثم دونکما فاقضیا حاجتکما وأنتما
مطمئنان آمنان .
قال : فقاما إلى الرجل فأدرکاه فقتلاه ، ثم رجعا إلیها ، فلم یریاها وبدت لهما
سوآتهما ، ونزع عنهما ریاشهما ، وسقط فی أیدیهما .
فأوحى الله تعالى إلیهما : إنما أهبطتکما إلى الأرض ساعة من نهار ،
فعصیتمانی بأربع معاص قد نهیتکما عنها ، وتقدمت إلیکما فیها ، فلم تراقبانی ، ولم
تستحیا منی ، وقد کنتما أشد من ینقم على أهل الأرض من المعاصی ، فاختارا عذاب
الدنیا ، أو عذاب الآخرة .
قال : فاختارا عذاب الدنیا ، فکانا یعلمان الناس السحر بأرض بابل . ثم لما
علما الناس رفعا


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب