|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٤٣
وثانیها :
إنهم یغوون أحد الزوجین ، ویحملونه على الکفر والشرک بالله تعالى ، فیکون بذلک
قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقیم على دینه ، فیفرق بینهما اختلاف النحلة ، وتباین
الملة وثالثها : إنهم یسعون بین الزوجین بالنمیمة والوشایة ، حتى یؤول أمرهما إلى
الفرقة والمباینة .
وقوله : ( وما هم بضارین به من أحد إلا بإذن الله ) أی : لا یلحقون بغیرهم
ضررا إلا بعلم الله ، فیکون على وجه التهدید . وقیل : معناه إلا بتخلیة الله ، عن
الحسن ، قال : من شاء الله منعه ، فلا یضره السحر ، ومن شاء خلى بینه وبینه
فیضره . وقوله : ( ویتعلمون ما یضرهم ولا ینفعهم ) معناه : یضرهم فی الآخرة ،
ولا ینفعهم وإن کان ینفعهم فی الدنیا ، لأنهم لما قصدوا بتعلمه أن یفعلوه ویرتکبوه ،
لا أن یجتنبوه ، صار ذلک بسوء اختیارهم ضررا علیهم . وقوله : ( ولقد علموا لمن
اشتراه ما له فی الآخرة من خلاق ) یعنی الیهود الذین نبذوا کتاب الله وراء ظهورهم ،
علموا لمن استبدل السحر بدین الله . فالهاء فی ( اشتراه ) کنایة عن السحر ، عن
قتادة ، وجماعة من المفسرین . فما له فی الآخرة من نصیب .
وقوله : ( ولبئس ما شروا به أنفسهم ) یعنی : بئس ما باعوا به حظ أنفسهم ،
حیث اختاروا التکسب بالسحر . وقوله : ( لو کانوا یعلمون ) بعد قوله : ( ولقد
علموا ) ذکر فیه وجوه أحدها : أن یکون الذین علموا غیر الذین لم یعلموا ، أو یکون
الذین علموا الشیاطین ، أو الذین خبر تعالى عنهم بأنهم نبذوا کتاب الله وراء
ظهورهم ، والذین لم یعلموا هم الذین تعلموا السحر . وثانیها : أن یکون الذین
علموا هم الذین لم یعلموا إلا أنهم علموا شیئا ، ولم یعلموا غیره ، فکأنه تعالى
وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصیب لمن اشترى ذلک ، ورضیه لنفسه على الجملة ،
ولم یعلموا کنه ما یصیرون إلیه من العقاب الدائم . وثالثها : أن تکون الفائدة فی نفی
العلم بعد إثباته ، أنهم لم یعملوا بما علموا ، فکأنهم لم یعلموا کما قال کعب بن زهیر
یصف ذئبا وغرابا تبعاه لیصیبا من زاده :
إذا حضرانی ، قلت : لو تعلمانه ، * ألم تعلما أنی من الزاد مرمل ( 1 )
فنفى عنهما العلم ، ثم أثبته . والمعنى فی نفیه العلم عنهما ، أنهما لم یعملا
بما علماه ، فکأنهما لم یعلماه . وفی هذه الآیة دلالة على أن الأفعال تختلف باختلاف
المقاصد ، ولذلک کان تعلم السحر لإزالة الشبهة ، والتحرز منه ، واجتنابه ، إیمانا ،
ولتصدیقه واستعماله کفرا .
واختلف فی ماهیة السحر على أقوال فقیل : إنه ضرب من التخییل ، وصنعة من
لطیف الصنائع ، وقد أمر الله تعالى بالتعوذ منه ، وجعل التحرز بکتابه وقایة منه ،
وأنزل فیه سورة الفلق ، وهو
________________________
( 1 ) أرمل الرجل : نفد زاده .
|