تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱    المؤلف: الشيخ الطبرسي    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٦۸   

وفیه کالأعراض للعکور * فکر ثم قال فی التفکیر :
إن الحیاة الیوم فی الکرور
وقاد عمرو بن قمیئة السدوسی :
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه * إذا رام تطیارا یقال له : قع
وقال آخر :
وقالت له العینان : سمعا وطاعة ، * وحدرتا کالدر لما یثقب
والمشهور فیه قول الشاعر :
امتلأ الحوض ، وقال : قطنی ، * مهلا رویدا قد ملأت بطنی
وهو قول أبی علی ، وأبی القاسم ، وجماعة من المفسرین وثانیها : إنه علامة
جعلها الله للملائکة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا ، وهذا هو المحکی عن أبی
الهذیل . وثالثها : ما قاله بعضهم : إن الأشیاء المعدومة لما کانت معلومة عند الله
تعالى ، صارت کالموجود ، فصح أن یخاطبها ، ویقول لما شاء إیجاده منها کن .
والأصح من الأقوال الأول ، وهو الأشبه بکلام العرب ، ویؤیده قوله تعالى : ( فقال لها
وللأرض ائتیا طوعا أو کرها قالتا أتینا طائعین ) وإن حمل على القول الثانی ، فالمراد
أن یقول للملائکة على جهة الإعلام منه لهم ، وإخباره إیاهم عن الغیب : کن أی :
یقول أکون فیکون فاعل کن الله ، وهو فی معنى الخبر وإن کان اللفظ لفظ الأمر على
ما تقدم بیانه . وقد یجوز على هذا أن یکون فاعل کن الشئ المعدوم المراد کونه ،
وتقدیره یقول من أجله للملائکة یکون شئ کذا ، فیکون ذلک على ما یخبر به ، لا
خلف له ، ولا تبدیل عما یخبر به . وأما القول الثالث فبعید لأن المعدوم لا یصح
خطابه ، ولا أمره بالکون والوجود ، لیخرج بهذا الأمر إلى الوجود ، لأن ذلک امتثال
للأمر ، وتلق له بالقبول والطاعة ، وهذا إنما یتصور من المأمور الموجود دون
المعدوم ، ولو صح ذلک لوجب أن یکون المأمور المعدوم فاعلا لنفسه ، کما یکون
المتلقی لما یؤمر به بالقبول فاعلا لما أمر به ، وهذا فاسد ظاهر البطلان .
وقال بعضهم : إنما یقول کن عند وجود الأشیاء لا قبلها ، ولا بعدها ، کقوله
تعالى : ( ثم إذا دعاکم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) . وإنما أراد أنه یدعوهم
فی حال خروجهم لا قبله ولا بعده . وهذا الوجه أیضا ضعیف ، لأن من شرط حسن
الأمر أن یتقدم المأمور به ، وکذلک الدعاء .
وفی هذه الآیة دلالة على أنه سبحانه لا یجوز أن یتخذ ولدا ، لأنه إذا ثبت أنه
منشئ السماوات والأرض ، ثبت بذلک أنه سبحانه لیس بصفة الأجسام والجواهر ،
لأن الجسم یتعذر علیه فعل الأجسام ، ومن کان بهذه الصفة لم یجز علیه اتخاذ
الولد ، ولأنه سبحانه قد أنشأ عیسى من غیر أب ، من حیث هو مبدع الأشیاء ، فجل
عن اتخاذ الأبناء ، وتعالى علوا کبیرا .



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب