|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۸۵
یختلى خلاؤه ، وإلى
هذا المعنى یؤول ما روی عن الصادق علیه السلام من قوله : من دخل الحرم مستجیرا
به ، فهو آمن من سخط الله عز وجل ، ومن دخله من الوحش والطیر کان آمنا من أن
یهاج أو یؤذى حتى یخرج من الحرم .
وقال رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم یوم فتح مکة : " إن الله تعالى حرم مکة یوم خلق
السماوات والأرض ، فهی حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحل لأحد قبلی ، ولا تحل
لأحد من بعدی ، ولم تحل لی إلا ساعة من النهار " . فهذا الخبر وأمثاله المشهورة فی
روایات أصحابنا ، تدل على أن الحرم کان آمنا قبل دعوة إبراهیم علیه السلام ، وإنما تأکدت
حرمته بدعائه علیه السلام . وقیل : إنما صار حرما بدعائه علیه السلام ، وقبل ذلک کان کسائر
البلاد ، واستدل علیه بقول النبی صلى الله علیه وآله وسلم : " إن إبراهیم حرم مکة ، وإنی حرمت
المدینة " . وقیل : کانت مکة حراما قبل الدعوة بوجه غیر الوجه الذی صارت به حراما
بعد الدعوة فالأول : بمنع الله إیاها من الاصطلام والائتفاک ( 1 ) ، کما لحق ذلک غیرها
من البلاد . وبما جعل ذلک ( 2 ) فی النفوس من تعظیمها والهیبة لها . والثانی : بالأمر
بتعظیمه على ألسنة الرسل ، فأجابه الله تعالى إلى ما سأل ، وإنما سأله أن یجعلها آمنة
من الجدب والقحط ، لأنه أسکن أهله بواد غیر ذی زرع ولا ضرع ، ولم یسأله أمنها
من الائتفاک والخسف الذی کان حاصلا لها . وقیل : إنه علیه السلام سأله الأمرین على أن
یدیمهما ، وإن کان أحدهما مستأنفا ، والآخر قد کان قبل . وقوله : ( وارزق أهله من
الثمرات ) أی : أعط من أنواع الرزق والثمرات . ( من آمن منهم بالله والیوم الآخر )
سأل لهم الثمرات ، لیجتمع لهم الأمن والخصب ، فیکونوا فی رغد من العیش .
وروی عن أبی جعفر علیه السلام أن المراد بذلک أن الثمرات تحمل إلیهم من الآفاق .
وروی عن الصادق علیه السلام قال : هی ثمرات القلوب أی : حببهم إلى الناس لیثوبوا
إلیهم . وإنما خص بذلک من آمن بالله ، لأن الله تعالى قد أعلمه أنه یکون فی ذریته
الظالمون فی جواب مسألته إیاه لذریته الإمامة بقوله ( لا ینال عهدی الظالمین ) فخص
بالدعاء فی الرزق المؤمنین تأدبا بأدب الله تعالى . وقیل : إنه علیه السلام ظن أنه إذا دعا
للکفار بالرزق ، أنهم یکثرون بمکة ویفسدون فربما یصدون الناس عن الحج ، فخص
بالدعاء أهل الإیمان .
وقوله : ( قال ومن کفر فأمتعه قلیلا ) أی : قال الله سبحانه قد استجبت دعوتک
فیمن آمن منهم ، ومن کفر فأمتعه بالرزق الذی أرزقه إلى وقت مماته . وقیل : فأمتعه
بالبقاء فی الدنیا . وقیل : أمتعه بالأمن والرزق إلى خروج محمد صلى الله علیه وآله وسلم ، فیقتله إن
أقام على کفره ، أو یجلیه عن مکة ، عن الحسن . ( ثم أضطره إلى عذاب النار )
أی : أدفعه إلى النار ، وأسوقه إلیها فی الآخرة . ( وبئس المصیر ) أی : المرجع
والمأوى والمال .
___________________________
( 1 ) ائتفک البلد بأهله : انقلب . الأرض : احترقت من الجدب .
( 2 ) [ کان ] .
|