|
اسم الکتاب: مجمع البیان فی تفسیر القرآن - المجلد ۱
المؤلف: الشيخ الطبرسي
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۸۸
فلما نزلوا فی ذلک المکان ، کان فیه شجر ، فألقت هاجر على ذلک الشجر
کساء کان معها ، فاستظلت تحته . فلما سرحهم إبراهیم ، ووضعهم ، وأراد
الانصراف عنهم إلى سارة ، قالت له هاجر : لم تدعنا فی هذا الموضع الذی لیس فیه
أنیس ولا ماء ولا زرع ؟ فقال إبراهیم : ربی الذی أمرنی أن أضعکم فی هذا
المکان . ثم انصرف عنهم .
فلما بلغ کدى وهو جبل بذی طوى ، التفت إلیهم إبراهیم فقال : ( ربنا إنی
أسکنت من ذریتی بواد غیر ذی زرع ) إلى قوله ( لعلهم یشکرون ) . ثم مضى وبقیت
هاجر . فلما ارتفع النهار عطش إسماعیل ، فقامت هاجر فی الوادی ، حتى صارت
فی موضع المسعى ، فنادت : هل فی الوادی من أنیس ؟ فغاب عنها إسماعیل .
فصعدت على الصفا ، ولمع لها السراب فی الوادی ، وظنت أنه ماء ، فنزلت فی بطن
الوادی وسعت . فلما بلغت المروة غاب عنها إسماعیل ، ثم لمع لها السراب فی
ناحیة الصفا ، وهبطت إلى الوادی تطلب الماء . فلما غاب عنها إسماعیل عادت حتى
بلغت الصفا ، فنظرت إلى إسماعیل حتى فعلت ذلک سبع مرات . فلما کان فی
الشوط السابع ، وهی على المروة نظرت إلى إسماعیل ، وقد ظهر الماء من تحت
رجلیه ، فعادت حتى جمعت حوله رملا ، وإنه کان سائلا فزمته بما جعلت حوله ،
فلذلک سمیت زمزم .
وکانت جرهم نازلة بذی المجاز وعرفات ، فلما ظهر الماء بمکة ، عکفت الطیر
والوحوش على الماء ، فنظرت جرهم إلى تعکف الطیر على ذلک المکان ، فاتبعوها
حتى نظروا إلى امرأة وصبی نزول فی ذلک الموضع ، قد استظلوا بشجرة ، قد ظهر
لهم الماء ، فقال لهم جرهم : من أنت وما شأنک وشأن هذا الصبی ؟ قالت : أنا أم
ولد إبراهیم خلیل الرحمن علیه السلام وهذا ابنه ، أمره الله أن ینزلنا هاهنا . فقالوا لها :
أتأذنین أن نکون بالقرب منکم ؟ فقالت : حتى أسأل إبراهیم . قال : فزارهما إبراهیم
یوم الثالث ، فقالت له هاجر : یا خلیل الله ! إن هاهنا قوما من جرهم یسألونک أن
تأذن لهم حتى یکونوا بالقرب منا ، أفتأذن لهم فی ذلک ؟ فقال إبراهیم : نعم . فأذنت
هاجر لجرهم ، فنزلوا بالقرب منهم ، وضربوا خیامهم ، وأنست هاجر وإسماعیل
بهم .
فلما زارهم إبراهیم فی المرة الثانیة ، ونظر إلى کثرة الناس حولهم ، سر بذلک
سرورا شدیدا . فلما تحرک إسماعیل ، وکانت جرهم قد وهبوا لإسماعیل کل واحد
منهم شاة وشاتین ، وکانت هاجر وإسماعیل یعیشان بها ، فلما بلغ مبلغ الرجال ، أمر
الله تعالى إبراهیم أن یبنی البیت ، فقال : یا رب ! فی أی بقعة ؟ قال : فی البقعة
التی أنزلت على آدم القبة فأضاءت الحرم . قال : ولم تزل القبة التی أنزلها الله على
آدم قائمة حتى کان أیام الطوفان فی زمان نوح ، فلما غرقت الدنیا رفع الله تلک القبة ،
وغرقت الدنیا ، ولم تغرق مکة ، فسمی البیت العتیق ، لأنه أعتق من الغرق .
فلما أمر الله عز وجل إبراهیم أن یبنی البیت ، لم یدر فی أی مکان یبنیه ، فبعث
الله جبرائیل ، فخط له موضع البیت ، وأنزل علیه القواعد من الجنة ، وکان الحجر
الذی أنزله الله على آدم ، أشد بیاضا من الثلج . فلما مسته أیدی الکفار أسود قال :
فبنى إبراهیم البیت ، ونقل إسماعیل الحجر من ذی طوى ، فرفعه فی السماء تسعة
أذرع ، ثم دله على موضع الحجر ، فاستخرجه إبراهیم ، ووضعه فی موضعه الذی هو
فیه ، وجعل له بابین : بابا إلى المشرق ، وبابا إلى المغرب . فالباب
|