تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٣۹   

فی کتب الکلام یجعل نقله هنا من لغو الکلام على أنا نقول أن لله تعالى صفتی لطف وقهر ومن الواجب فی الحکمة أن یکون الملک لا سیما ملک الملوک کذلک إذ کل منهما من أوصاف الکمال ولا یقوم أحدهما مقام الآخر ومن منع ذلک فقد کابر وقد مدح فی الشاهد ذلک کما قیل * یداک ید خیرها یرتجى * وأخرى لأعدائها غائظة *
فلما نظر الله سبحانه إلى ما علمه من الماهیات الأزلیة والأعیان الثابتة ورأى فیها من استعد للخیر وطلبه بلسان استعداده ومن استعد للشر وطلبه کذلک أفاض على کل بمقتضى حکمته ما استعد له وأعطاه ما طلبه منه ثم کلفه ورغبه ورهبه إتماما للنعمة وإظهارا للحجة إذ لو عذبه وأظهر فیه صفة قهره قبل أن ینذره لربما قال * (لولا أرسلت إلینا رسولا فنتبع آیاتک من قبل أن نذل ونخزى) * فالتعذیب وإن لم یکن فیه نفع له سبحانه بالمعنى المألوف لکنه من آثار القهر ووقوع فریق فی طریق القهر ضروری فی حکمته تعالى وکل ما تقتضیه حکمته تعالى وکماله حسن وإن شئت فقل إن صفتی اللطف والقهر من مستتبعات ذاته التی هی فی غایة الکمال ولهما متعلقات فی نفس الأمر مستعدة لهما فی الأزل استعدادا غیر مجعول وقد علم سبحانه فی الأزل التعلقات والمتعلقات فظهرت طبق ما علم ولو لم تظهر کذلک لزم انقلاب الحقائق وهو محال فالإیمان والکفر فی الحقیقة لیسا سببا حقیقیا وعلة تامة للتنعیم والتعذیب وإنما هما علامتان لهما دعت إلیهما الحکمة والرحمة وهذا معنى ما ورد فی الصحیح اعملوا فکل میسر لما خلق له أما من کان أی فی علم الله من أهل السعادة المستعدة لها ذاته فسییسر بمقتضى الرحمة لعمل أهل السعادة لأن شأنه تعالى الإفاضة على القوابل بحسب القابلیات وأما من کان فی الأزل والعلم القدیم من أهل الشقاوة التی ثبتت لماهیته الغیر المجعولة أزلا فسییسر بمقتضى القهر لعمل أهل الشقاوة وفی ذلک تظهر المنة وتتم الحجة ولا یرد قوله تعالى * (فلو شاء لهداکم أجمعین) * لأن نفی الهدایة لنفی المشیئة ولا شک أن المشیئة تابعة للعلم والعلم تابع لثبوت المعلوم فی نفس الأمر کما یشیر إلیه قوله تعالى فی المستحیل الغیر الثابت فی نفسه * (أم تنبئونه بما لا یعلم فی الأرض) * وحیث لا ثبوت للهدایة فی نفسها لا تعلق للعلم بها وحیث لا تعلق لا مشیئة فسبب نفی إیجاد الهدایة نفی المشیئة وسبب نفی المشیئة تقرر عدم الهدایة فی نفسها فیئول الأمر إلى أن سبب نفی إیجاد الهدایة انتفاؤها فی نفس الأمر وعدم تقررها فی العلم الأزلی * (ولو علم الله فیهم خیرا لأسمعهم) * فإذا انتقش هذا على صحیفة خاطرک فنقول قولهم الضرر الخالی عن النفع قبیح بدیهة لیس بشیء لأن ذلک الضرر من آثار القهر التابع للذات الأقدس ومتى خلا عن القهر کان عز شأنه عما یقوله الظالمون کالأقطع الذی لیس له إلا ید واحدة بل من أنصفه عقله یعلم أن الخلو عن صفة القهر یخل بالربوبیة ویسلب إزار العظمة ویحط شأن الملکیة إذ لا یرهب منه حینئذ فیختل النظام وینحل نبذ هذا الإنتظام على أن هذه الشبهة تستدعی عدم إیلام الحیوان فی هذه النشأة لا سیما البهائم والأطفال الذین لا ینالهم من هذه الآلام نفع بالکلیة لا عاجلا ولا آجلا مع أنا نشاهد وقوع ذلک أکثر من نجوم السماء فما هو جوابهم عن هذه الآلام منه سبحانه فی هذه النشأة مع أنه لا نفع له منها بوجه فهو جوابنا عن التعذیب فی تلک النشأة وقولهم إن الکافر لا یظهر منه إلا العصیان فتکلیفه متى حصل ترتب علیه العذاب الخ ففیه أن الکافر فی علم الله تعالى حسب استعداده متعشق للنار تعشق الحدید للمغناطیس وإن نفر عنها نافر عن الجنة نفور الظلمة عن النور وإن تعشقها فهو إن کلف وإن لم یکلف لا بد وأن یعذب فیها ولکن التکلیف لاستخراج ما فی استعداده من الاباء لإظهار الحجة والکفر مجرد علامة * (وما ظلمهم الله ولکن کانوا أنفسهم یظلمون) *



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب