تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٤٠   

وقولهم هو سبحانه الخالق لداعیة المعصیة مسلم لکنه خلقها وأظهرها طبق ما دعا إلیه الإستعداد الذاتی الذی لا دخل للقدرة إلا فی إیجاده وأی قبح فی إعطاء الشیء ما طلبه بلسان استعداده وإن أضر به ولا یلزم الله تعالى عقلا أن یترک مقتضى حکمته ویبطل شأن ربوبیته مع عدم تعلق علمه بخلاف ما اقتضاه ذلک الإستعداد وقولهم هب أنا سلمنا العقاب فمن أین الدوام الخ قلنا الدوام من خبث الذات وقبح الصفات الثابتین فیما لم یزل الظاهرین فیما لا یزال بالإباء بعد التکلیف مع مراعاة الحکمة وهذا الخبث دائم فیهم ما دامت حکمة الله تعالى الذاتیة وذواتهم کما یرشدک إلى ذلک قوله سبحانه * (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) * ویدوم المعلول ما دامت علته أو یقال العذاب وهو فی الحقیقة البعد من الله لازم للکفر والملزوم لا ینفک من اللازم وأیضا الکفر مع ظهور البرهان فی الأنفس والآفاق بمن لا تتناهى کبریاؤه ولا تنحصر عظمته أمر لا یحیط نطاق الفکر بقبحه وإن لم یتضرر به سبحانه لکن الغیرة الإلهیة لا ترتضیه وإن أفاضته القدرة الأزلیة حسب الإستعداد بمقتضى الحکمة ومثل ذلک یطلب عذابا أبدیا وعقابا سرمدیا وشبیه الشیء منجذب إلیه ولا یقاس هذا بما ضربه من المثال إذ أین ذلة التراب من عزة رب الأرباب ولیس مورد المسألتین منهلا واحدا وقولهم من تاب من الکفر ولو بعد حین تاب الله تعالى علیه أفترى أن هذا الکرم العظیم یذهب فی الآخرة أو تسلب عقول أولئک المعذبین فلا یتوبون الخ ففیه أن من تاب من الکفر فقد أبدل القبیح بضده وأظهر سبحانه مقتضى ذاته وماهیته المعلومة له حسب علمه فهناک حینئذ کفر قبیح زائل وإیمان حسن ثابت وقد انضم إلى هذا الإیمان ندم على ذلک الکفر فی دار ینفع فیها تدارک ما فات والندم على الهفوات فیصیر الکفر بهذا الإیمان کأن لم یکن شیئا مذکورا إذ یقابل القبیح بالحسن ویبقى الندم وهو رکن التوبة مکسبا على أن ظهور الإیمان بعد الکفر دلیل على نجابة الذات فی نفسها وطهارتها فی معلومیتها والأعمال بالخواتیم فلا بدع فی مغفرة الله تعالى له جودا وکرما ورحمة الله تعالى وإن وسعت کل شیء ببعض اعتباراتها إلا أنها خصت المتقین باعتبار آخر کما یشیر إلیه قوله تعالى * (ورحمتی وسعت کل شیء فسأکتبها للذین یتقون) * فهی کمعیته سبحانه الغیر المکیفة ألا تسمع قوله تعالى مرة * (ما یکون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلک ولا أکثر إلا هو معهم) * وتارة * (إن الله مع الذین اتقوا والذین هم محسنون) * وکرة * (إن الله معنا) * وطورا * (إن معی ربی) * ولا ینافی کون الرحمة أوسع دائرة من الغضب کما یرمز إلیه * (الرحمن على العرش استوى) * أن الکفار المعذبین أکثر من المؤمنین المنعمین کما یقتضیه قوله تعالى * (ولکن أکثر الناس لا یؤمنون) * وکذا حدیث البعث لأن هذه الکثرة بالنسبة إلى بنی آدم وهم قلیلون بالنسبة إلى الملائکة والحور والغلمان * (وما یعلم جنود ربک إلا هو) * * (ویخلق ما لا تعلمون) * فیکون أهل الرحمة أکثر من أهل الغضب على أن أهل النار مرحومون فی عذابهم وما عند الله تعالى من کل شیء لا یتناهى وبعض الشر أهون من بعض وهم مختلفون فی العذاب وبین عذاب کل طبقة وطبقة ما بین السماء والأرض وإن ظن کل من أهلها أنه أشد الناس عذابا لکن الکلام فی الواقع بل منهم من هو ملتذ بعذابه من بعض الجهات ومنهم غیر ذلک نعم فیهم من عذابه محض لا لذة لهم فیه ومع هذا یمقتون أنفسهم لعلمهم أنها هی التی استعدت لذلک ففاض علیها ما فاض من جانب المبدأ الفیاض کما یشیر إلیه قوله تعالى * (لمقت الله أکبر من مقتکم أنفسکم) * ومن غفل منهم عن ذلک نبهه إبلیس علیه اللعنة کما حکى الله عنه بقوله * (فلا تلومونی ولوموا أنفسکم) * ولا تنفعهم التوبة هناک کما تنفعهم هنا إذ قد اختلفت الداران وامتاز الفریقان وانتهى الأمد المضروب


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب