تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۵٣   

التی فیها إلیهم - کما یشهد به سلامة الفطرة لمن له أدنى دربة بأسالیب الکلام - کلام خارج عن دائرة الإنصاف کما یشهد به سلامة الفطرة من داء التعصب والاعتساف فإن عود الضمائر رابط للصفات بهم وسوق الکلام مناد علیه، وقد یأتی فی القصة الواحدة جملة مستأنفة بغیر عطف فإذا لم ینافه الاستئناف رأسا کیف ینافیه العطف على أوله المستأنف، والعطف إنما یقتضی مغایرة الأحوال لا مغایرة القصص وأصحابها. وما أخرجه ابن جریر عن سلمان رضی الله تعالى عنه من أن أهل هذه الآیة لم یأتوا بعد - لیس المراد به أنها مخصوصة بقوم آخرین کما یشعر به الظاهر بل إنها لا تختص بمن کان من المنافقین وإن نزلت فیهم إذ خصوص السبب لا ینافی عموم النظم، ثم القائل للمنافقین فی عصر النزول هذا القول إما النبی صلى الله علیه وسلم تبلیغا عن الله سبحانه المخبر له بنفاقهم أو أنه علیه الصلاة والسلام بلغه عنهم ذلک ولم یقطع به فنصحهم فأجابوه بما أجابوه أو بعض المؤمنین الظانین بهم المتفرسین بنور الإیمان فیهم أو بعض من کانوا یلقون إلیه الفساد فلا یقبله منهم لأمر ما فینقلب واعظا لهم قائلا: لا تفسدوا، والفساد التغیر عن حالة الاعتدال والاستقامة ونقیضه الصلاح، والمعنى لا تفعلوا ما یؤدی إلى الفساد وهو هنا الکفر کما قاله ابن عباس أو المعاصی کما قاله أبو العالیة أو النفاق الذی صافوا به الکفار فأطلعوهم على أسرار المؤمنین فإن کل ذلک یؤدی ولو بالوسائط إلى خراب الأرض وقلة الخیر ونزع البرکة وتعطل المنافع، وإذا کان القائل بعض من کانوا یلقون إلیه الفساد فلا یقبله ممن شارکهم فی الکفر یحمل الفساد على هیج الحروب والفتن الموجب لانتفاء الاستقامة ومشغولیة الناس بعضهم ببعض فیهلک الحرث والنسل. ولعل النهی عن ذلک لخور أو تأمل فی العاقبة وإراحة النفس عما ضرره أکبر من نفعه مما تمیل إلیه الحذاق. على أن فی أذهان کثیر من الکفار إذا ذاک توقع ما یغنی عن القتال من وقوع مکروه بالمؤمنین * (ویأبى الله إلا أن یتم نوره) * (التوبة: 32)، ولا یخفى ما فی هذا الوجه من التکلف، والمراد من الأرض جنسها أو المدینة المنورة، والحمل على جمیع الأرض لیس بشیء إذ تعریف المفرد یفید استیعاب الأفراد لا الأجزاء، اللهم إلا أن یعتبر کل بقعة أرضا، لکن یبقى أنه لا معنى للحمل على الاستغراق باعتبار تحقق الحکم فی فرد واحد ولیس ذکر الأرض لمجرد التأکید بل فی ذلک تنبیه على أن الفساد واقع فی دار مملوکة لمنعم أسکنکم بها وخولکم بنعمها: وأقبح خلق الله من بات عاصیا * لمن بات فی نعمائه یتقلب وإنما للحصر کما جرى علیه بعض النحویین وأهل الأصول، واختار فی " البحر " أن الحصر یفهم من السیاق ولم تدل علیه وضعا، وجعل القول بکونها مرکبة من (ما) النافیة دخل علیها (أن) التی للإثبات فأفادت الحصر قولا رکیکا صادر عن غیر عارف بالنحو. ومعنى * (إنما نحن مصلحون) * مقصورون على الإصلاح المحض الذی لم یشبه شیء من وجوه الفساد وقد بلغ فی الوضوح بحیث لا ینبغی أن یرتاب فیه، والقصر إما قصر إفراد أو قلب وهذا إما ناشىء عن جهل مرکب فاعتقدوا الفساد صلاحا فأصروا واستکبروا استکبارا:
یقضی على المرء فی أیام محنته * حتى یرى حسنا ما لیس بالحسن وإما جار على عادتهم فی الکذب وقولهم بأفواههم ما لیس فی قلوبهم، وقرأ هشام والکسائی * (قیل) * بإشمام الضم لیکون دالا على الواو المنقلبة، وقول: بإخلاص الضم وسکون الواو لغة لهذیل ولم یقرأ بها.
* (ألا إنهم هم المفسدون ولکن لا یشعرون) *
رد لدعواهم المحکیة على أبلغ وجه حیث سلک فیه مسلک الاستئناف المؤدی إلى زیادة تمکن الحکم فی ذهن السامع مع تأکید الحکم وتحقیقه (بأن، وألا) بناء


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب