|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵۸
الجمهور * (معکم) * بتحریک العین وقرىء شاذا بسکونها وهی لغة ربیعة وغنم. * (إنما نحن مستهزءون) * الاستهزاء الاستخفاف والسخریة، واستفعل بمعنى فعل تقول هزأت به واستهزأت بمعنى کاستعجب وعجب، وذکر حجة الإسلام الغزالی أن الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والتنبیه على العیوب والنقائص على وجه یضحک منه، وقد یکون ذلک بالمحاکاة فی الفعل والقول وبالإشارة والإیماء، وأرادوا مستخفون بالمؤمنین. وأصل هذه المادة الخفة یقال: ناقته تهزأ به أی تسرع وتخف وقول الرازی: إنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطال ما یجری مجرى السوء على طریق السخریة غیر موافق للغة والعرف. والجملة إما استئناف فکأن الشیاطین قالوا لهم لما قالوا: * (إنا معکم) * إن صح ذلک فما بالکم توافقون المؤمنین فأجابوا بذلک. أو بدل من إنا معکم؛ وهل هو بدل اشتمال، أو کل، أو بعض؟ خلاف، أما الأول: فلأن هذه الجملة تفید ما تفیده الأولى وهو الثبات على الیهودیة لأن المستهزىء بالشیء مصر على خلافه وزیادة وهو تعظیم الکفر المفید لدفع شبهة المخالطة وتصلبهم فی الکفر فیکون بدل اشتمال. وأما الثانی: وبه قال السعد: فللتساوی من حیث الصدق ولا یقتضی التساوی من حیث المدلول، وأما الثالث فلأن کونهم معهم عام فی المعیة الشاملة للاستهزاء والسخریة وغیر ذلک، أو تأکید لما قبله بأن یقال إن مدعاهم بأنا معکم الثبات على الکفر وإنما نحن مستهزؤن لاستلزامه رد الإسلام ونفیه یکون مقررا للثبات علیه إذ رفع نقیض الشیء تأکید لثباته لئلا یلزم ارتفاع النقیضین، أو یقال یلزم: * (إنا معکم) * إنا نوهم أصحاب محمد صلى الله علیه وسلم الإیمان فیکون الاستخفاف بهم وبدینهم تأکیدا باعتبار ذلک اللازم، وأولى الأوجه عند المحققین الاستئناف لولا ما ذکره الشیخ " فی دلائل الإعجاز " من أن موضوع (إنما) أن تجىء لخبر لا یجهله المخاطب ولا یدفع صحته فإنه یقتضی أن تقدیر السؤال هنا أمر مرجوح ولعل الأمر فیه سهل، وقرىء * (مستهزءون) * بتخفیف الهمزة وبقلبها یاء مضمومة، ومنهم من یحذف الیاء فتضم الزای. * (الله یستهزىء بهم ویمدهم فی طغینهم یعمهون) * * (الله یستهزىء بهم) * حمل أهل الحدیث وطائفة من أهل التأویل الاستهزاء منه تعالى على حقیقته وإن لم یکن المستهزىء من أسمائه سبحانه، وقالوا: إنه التحقیر على وجه من شأنه أن من اطلع علیه یتعجب منه ویضحک ولا استحالة فی وقوع ذلک منه عز شأنه ومنعه من قیاس الغائب على الشاهد، وذهب أکثر الناس إلى أنه لا یوصف به جل وعلا حقیقة لما فیه من تقریر المستهزأ به على الجهل الذی فیه، ومقتضى الحکمة والرحمة أن یریه الصواب فإن کان عنده أنه لیس متصفا بالمستهزأ به فهو لعب لا یلیق بکبریائه تعالى، فالآیة على هذا مؤولة إما بأن یراد بالاستهزاء جزاؤه لما بین الفعل وجزائه من مشابهة فی القدر وملابسة قویة ونوع سببیة مع وجود المشاکلة المحسنة ههنا، ففی الکلام استعارة تبعیة أو مجاز مرسل، وإما بأن یراد به إنزال الحقارة والهوان فهو مجاز عما هو بمنزلة الغایة له فیکون من إطلاق المسبب على السبب نظرا إلى التصور وبالعکس نظرا إلى الوجود، وإما بأن یجعل الله تعالى وتقدس کالمستهزىء بهم على سبیل الاستعارة المکنیة وإثبات الاستهزاء له تخییلا، ورب شیء یصح تبعا ولا یصح قصدا وله سبحانه أن یطلق على ذاته المقدسة ما یشاء تفهیما للعباد، وقد یقال: إن الآیة جاریة على سبیل التمثیل والمراد یعاملهم سبحانه معاملة المستهزىء؛ أما فی الدنیا بإجراء أحکام الإسلام واستدراجهم من حیث لا یعلمون، وأما فی الآخرة بأن یفتح لأحدهم باب إلى الجنة فیقال: هلم هلم فیجىء بکربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه، ثم یفتح له باب آخر فیقال: هلم هلم فیجىء بکربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما یزال کذلک حتى إن الرجل لیفتح له باب فیقال: هلم هلم فما یأتیه، وقد روی ذلک بسند مرسل جید الإسناد فی
|