تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٦٠   

وروی عن ابن مسعود رضی الله تعالى عنه أن مد الله تعالى فی طغیانهم التمکین من العصیان. وعن ابن عباس الإملاء ونسبة المد إلى الله تعالى بأی معنى کان عند أهل الحق حقیقة إذ هو سبحانه وتعالى الموجد للأشیاء المنفرد باختراعها على حسب ما اقتضته الحکمة ورفعت له أکفها الاستعدادات، ونسبته إلى غیره سبحانه وتعالى فی قوله عز شأنه: * (وإخوانهم یمدونهم فی الغی) * (الأعراف: 202) نسبة التوفی إلى الملک فی قوله تعالى: * (یتوفاکم ملک الموت) * (السجدة: 11) مع قوله جل وعلا: * (الله یتوفى الأنفس) * (الزمر: 42) وذهبت المعتزلة أن الزیادة فی الطغیان والتقویة فیه مما یستحیل نسبته إلیه تعالى حقیقة وحملوا الآیة على محامل أخر، وقد قدمنا ما یوهن مذهبهم فلنطوه هنا على ما فیه وال‌ طغیان بضم الطاء على المشهور، وقرأ زید بن علی رضی الله تعالى عنهما بکسرها وهما لغتان فیه، وقد سمعا فی مصدر اللقاء، وقد أماله الکسائی، وأصله تجاوز المکان الذی وقفت فیه ومن أخل بما عین من المواقف الشرعیة والمعارف العقلیة فلم یرعها فقد طغى، ومنه طغى الماء أی تجاوز الحد المعروف فیه، وإضافته إلیهم لأنه فعلهم الصادر منهم بقدرهم المؤثرة بإذن الله تعالى فالاختصاص المشعرة به الإضافة إنما هو بهذا الاعتبار لا باعتبار المحلیة والاتصاف فإنه معلوم لا حاجة فیه إلى الإضافة ولا باعتبار الإیجاد استقلالا من غیر توقف على إذن الفعال لما یرید فإنه اعتبار علیه غبار بل غبار لیس له اعتبار فلا تهولنک جعجعة الزمخشری وقعقعته، ویحتمل أن یکون الاختصاص للإشارة إلى أن طغیان غیرهم فی جنبهم کلا شیء لادعاء اختصاصهم به ولیس بالمنحرف عن سنن البلاغة.
وال‌ عمه التردد والتحیر، ویستعمل فی الرأی خاصة - والعمى فیه وفی البصر - فبینهما عموم وخصوص مطلق فی الاستعمال وإن تغایرا فی أصل الوضع، واختصر العمى بالبصر على ما قیل، وأصله الأصیل عدم الأمارات فی الطریق التی تنصب لتدل من حجارة وتراب ونحوهما وهی المنار ویقال عمه یعمه کتعب یتعب عمها وعمهانا فهو عمه وعامه وعمهاء فمعنى یعمهون على هذا یترددون ویتحیرون، وإلى ذلک ذهب جمع من المفسرین، وقیل: العمه العمى عن الرشد، وقال ابن قتیبة: هو أن یکب رأسه فلا یبصر ما یأتی، فالمعنى یعمون عن رشدهم أو یکبون رؤوسهم فلا یبصرون وکأن هذا أقرب إلى الصواب لأن المنافقین لم یکونوا مترددین فی الکفر بل کانوا مصرین علیه معتقدین أنه الحق وما سواه باطل إلا أن یقال التردد والتحیر فی أمر آخر لا فی الکفر، وجملة * (یعمهون) * فی موضع نصب على الحال إما من الضمیر فی * (یمدهم) * وإما من الضمیر فی * (طغیانهم) * لأنه مصدر مضاف إلى الفاعل، وفی * (طغیانهم) * یحتمل أن یکون متعلقا بیمدهم وأن یکون متعلقا بیعمهون وجاز على خلاف کون * (فی طغیانهم) * و * (یعمهون) * حالین من الضمیر فی یمدهم.
* (أولئک الذین اشتروا الضللة بالهدى فما ربحت تجرتهم وما کانوا مهتدین) *
* (أولئک الذین اشتروا الضللة بالهدى) * إشارة إلى المنافقین الذین تقدم ذکرهم الجامعین للأوصاف الذمیمة من دعوى الصلاح وهم المفسدون، ونسبة السفه للمؤمنین وهم السفهاء والاستهزاء وهم المستهزأ بهم ولبعد منزلتهم فی الشر وسوء الحال أشار إلیهم بما یدل على البعد، والکلام هنا یمکن أن یکون واقعا موقع * (أولئک على هدى من ربهم) * (البقرة: 5) فإن السامع بعد سماع ذکرهم وإجراء تلک الأوصاف علیهم کأنه یسأل من أین دخل على هؤلاء هذه الهیئات؟ فیجاب بأن أولئک المستبعدین إنما جسروا علیها لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى حتى خسرت صفقتهم وفقدوا الاهتداء للطریق المستقیم ووقعوا فی تیه الحیرة والضلال، وقیل: هو فذلکة وإجمال لجمیع ما تقدم من حقیقة حالم أو تعلیل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد فی الطغیان أو مقرر لقوله تعالى: * (ویمدهم فی طغیانهم یعمهون) * (البقرة: 15) وفیه حصر المسند على المسند إلیه لکون تعریف الموصول للجنس بمنزلة تعریف اللام الجنسی وهو ادعائی باعتبار کمالهم فی ذلک الاشتراء،


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب