تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٦۱   

وإن کان الکفار الآخرون مشارکین لهم فی ذلک لجمعهم هاتیک المساوىء الشنیعة والخلال الفظیعة، فبذلک الاعتبار صح تخصیصهم بذلک، والضلالة الجور عن القصد، والهدى التوجه إلیه، ویطلقان على العدول عن الصواب فی الدین والاستقامة علیه، والاشتراء کالشراء استبدال السلعة بالثمن أی أخذها به وبعضهم یجعله من الأضداد لأن المتبایعین تبایعا الثمن والمثمن فکل من العوضین مشترى من جانب مبیع من جانب، ویطلق مجازا على أخذ شیء بإعطاء ما فی یده عینا کان کل منهما أو معنى، وهذا یستدعی بظاهره أن یکون ما یجری مجرى الثمن وهو الهدى حاصلا لهؤلاء قبل، ولا ریب أنهم بمعزل عنه فإما أن یقال إن الاشتراء مجاز عن الاختیار لأن المشتری للشیء مختار له فکأنه تعالى قال: اختاروا الضلالة على الهدى ولکون الاستبدال ملحوظا جىء بالباء على أنه قیل إن التوافق معنى لا یقتضی التوافق متعلقا، ولا یرد على هذا الحمل کونه مخلا بالترشیح الآتی کما زعمه مولانا مفتی الدیار الرومیة لأن الترشیح المذکور یکفی له وجود لفظ الاشتراء وإن کان المعنى المقصود غیر مرشح کما هو العادة فی أمثاله أو یقال لیس المراد بما فی حیز الثمن نفس الهدى بل هو التمکن التام منه بتعاضد الأسباب وبأخذ المقدمات المستتبعة له بطریق الاستعارة کأنه نفس الهدى بجامع المشارکة فی استتباع الجدوى، ولا مریة فی أن ذلک کان حاصلا لأولئک المنافقین بما شاهدوه من الآیات الباهرة والمعجزات القاهرة والإرشاد العظیم والنصح والتعلیم لکنهم نبذوا ذلک فوقعوا فی مهاوی المهالک، أو یقال: المراد بالهدى الهدى الجبلی وقد کان حاصلا لهم حقیقة فإن کل مولود یولد على الفطرة وقول مولانا مفتی الدیار الرومیة: إن حمل الهدى على الفطرة الأصلیة الحاصلة لکل أحد یأباه أن إضاعتها غیر مختصة بهؤلاء، ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم المختصة بهم فلیس فی إضاعتها فقط من الشناعة ما فی إضاعتها مع ما یؤیدها من المؤیدات النقلیة والعقلیة على أن ذلک یفضی إلى کون ما فصل من أول السورة إلى هنا ضائعا کلام ناشىء عن الغفلة عن معنى الإشارة فإنها تقتضی ملاحظتهم بجمیع ما مر من الصفات، والمعنى أن الموصوفین بالنفاق المذکور هم الذین ضیعوا الفطرة أشد تضییع بتهوید الآباء ثم بعد ما ظفروا بها أضاعوها بالنفاق مع تحریضهم على المحافظة والنصح شفاها ونحو ذلک مما لا یوجد فی غیرهم کما یشیر إلیه التعریف، أو یقال: هذه ترجمة عن جنایة أخرى من جنایاتهم، والمراد بالهدى ما کانوا علیه من التصدیق ببعثته صلى الله علیه وسلم وحقیة دینه بما وجدوه عندهم فی التوراة ولهذا کانوا یستفتحون به ویدعون بحرمته ویهددون الکفار بخروجه * (فلما جاءهم ما عرفوا کفروا به فلعنة الله على الکافرین) * (البقرة: 89) وأما حمل الهدى على ما کان عندهم ظاهرا من التلفظ بالشهادة وإقام الصلاة وإیتاء الزکاة والصوم والغزو فمما لا یرتضیه من هدی إلى سواء السبیل، وما ذکرناه من أن * (أولئک) * إشارة إلى المنافقین هو الذی ذهب إلیه أکثر المفسرین والمروى عن مجاهد، وهو الذی یقتضیه النظم الکریم وبه أقول وروی عن قتادة أنهم أهل الکتاب مطلقا، وعن ابن عباس وابن مسعود رضی الله تعالى عنهم أنهم الکفار مطلقا، والکل عندی بعید، ولعل مراد من قال ذلک أن الآیة بظاهر مفهومها تصدق على من أرادوا لا أن الآیة نزلت فیهم، وقرأ یحیى بن یعمر وابن إسحق: * (اشتروا الضلالة) * بالکسر لأنه الأصل فی التقاء الساکنین، وأبو السماک * (اشتروا) * بالفتح اتباعا لما قبل، وأمال حمزة والکسائی * (الهدى) * وهی لغة بنی تمیم وعدم الإمالة لغة قریش.
* (فما ربحت تجرتهم وما کانوا مهتدین) * عطف على الصلة، وأتى بالفاء للإشارة إلى تعقب نفی الربح للشراء وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح، وزعم بعضهم أن الفاء دخلت لما فی الکلام من معنى الجزاء لمکان



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب