تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٦٦   

والمصاحبة والإلصاق. ففی الآیة لطف لا ینکر کیف والفاعل هو الله تعالى القوی العزیز الذی لا راد لما أخذه ولا مرسل لما أمسکه. وذکر أبو العباس أن ذهبت بزید یقتضی ذهاب المتکلم مع زید دون أذهبته، ولعله یقول: إن ما فی الآیة مجاز عن شدة الأخذ بحیث لا یرد أو یجوز أن یکون الله تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى یلیق به کما وصف نفسه سبحانه بالمجىء فی ظاهر قوله تعالى: * (وجاء ربک) * (الفجر: 22) والذی ذهب إلیه سیبویه إلى أن الباء بمعنى الهمزة فکلاهما لمجرد التعدیة عنده بلا فرق فلذا لا یجمع بینهما. والنور منشأ الضیاء ومبدؤه کما یشیر إلیه استعمال العرب حیث أضافوا الضیاء إلیه کما قال ورقة بن نوفل: ویظهر فی البلاد ضیاء نور * وقال العباس رضی الله تعالى عنه: وأنت لما ظهرت أشرقت الأر * ض وضاءت بنورک الأفق ولهذا أطلق علیه سبحانه النور دون الضیاء، وأشار سبحانه إلى نفی الضیاء الذی هو مقتضى الظاهر بنفی النور وإذهابه لأنه أصله وبنفی الأصل ینتفی الفرع، وهذا الذی ذکرنا هو الذی ارتضاه المحققون من أهل اللغة، ومنه یعلم وجه وصف الشریعة المحمدیة بالنور فی قوله تعالى: * (قد جاءکم من الله نور وکتاب مبین) * (المائدة: 15) والشریعة الموسویة بالضیاء فی قوله تعالى: * (ولقد آتینا موسى وهارون الفرقان وضیاء وذکرا للمتقین) * (الأنبیاء: 48) وفی ذلک إشارة إلى مقام نبینا صلى الله علیه وسلم الجامع الفارق ومزیته على أخیه موسى علیه السلام الذی لم یأت إلا بالفرق ولفرق ما بین الحبیب والکلیم:
وکل آی أتى الرسل الکرام بها * فإنما اتصلت من نوره بهم وکذا وجه وصف الصلاة - الناهیة عن الفحشاء والمنکر فی حدیث مسلم - بالنور والصبر بالضیاء، ویعلم من هذا أنه أقوى من الضیاء کذا قیل واعترض بأنه قد جاء وصف ما أوتیه نبینا صلى الله علیه وسلم بالضیاء کما جاء وصف ما أوتیه موسى علیه السلام بالنور وإلیه یشیر کلام الشیخ الأکبر قدس سره فی " الفتوحات " فتدبر، وذهب بعض الناس إلى أن الضیاء أقوى من النور لقوله تعالى: * (جعل الشمس ضیاء والقمر نورا) * (یونس: 5) وعلى هذا یکون التعبیر ب * (ذهب الله بنورهم) * دون ذهب الله بضوئهم دفعا لاحتمال إذهاب ما فی الضوء من الزیادة وبقاء ما یسمى نورا مع أن الغرض إزالة النور رأسا، وذکر بعضهم أن کلا من الضوء والنور یطلق على ما یطلق علیه الآخر فهما کالمترادفین والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الاصطلاح لا من أصل الوضع واللغة، ومن هنا قال الحکماء: إن الضوء ما یکون للشیء من ذاته، والنور ما یکون من غیره، واستعمل الضوء لما فیه حرارة حقیقة کالذی فی الشمس، أو مجازا کالذی ذکر فیما أوتیه موسى علیه السلام مما فیه شدة ومزید کلفة، ومنه " الصبر ضیاء " ومعلوم أنه کاسمه، والنور لما لیس کذلک کالذی فی القمر وفیما جاء به النبی صلى الله علیه وسلم من الشریعة السهلة السمحة البیضاء، ومنه " الصلاة نور " ولا شک أنها قرة العین وراحة القلب وإلى ذلک یشیر: " وجعلت قرة عینی فی الصلاة " " وأرحنا یا بلال " واستعمل النور لما یطرأ فی الظلم کما ورد: " کان الناس فی ظلمة فرش الله تعالى علیهم من نوره " وقول الشاعر: بتنا وعمر اللیل فی غلوائه * وله بنور البدر فرع أشمط والضوء لیس کذلک إلى غیر ذلک مما لا یخفى على المتتبع، والذی یمیل القلب إلیه أن الضیاء یطلق على النور القوی


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب