|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٦۷
وعلى شعاع النور المنبسط فهو بالمعنى الأول أقوى وبالمعنى الثانی ولکل مقام مقال ولکل مرتبة عبارة ولا حجر على البلیغ فی اختیار أحد الأمرین فی بعض المقامات لنکتة اعتبرها ومناسبة لاحظها، وآیة الشمس لا تدل على أن الضیاء أقوى من النور أینما وقع - فالله نور السموات والأرض ولله المثل الأعلى - وشاع إطلاق النور على الذوات المجردة دون الضوء ولعل ذلک لأن انسیاق العرضیة منه إلى الذهن أسرع من انسیاقها من النور إلیه فقد انتشر أنه عرض وکیفیة مغایرة للون، والقول بأنه عبارة عن ظهور اللون - أو أنه أجسام صغار تنفصل من المضیء فتتصل بالمستضىء - مما بین بطلانه فی " الکتب الحکمیة " وإن قال بکل بعض من الحکماء، ثم التعبیر بالنور هنا دون الضوء یحتمل أن یکون لسر غیر ما انقدح فی أذهان الناس وهو کونه أنسب بحال المنافقین الذین حرموا الانتفاع والإضاءة بما جاء من عند الله مما سماه سبحانه نورا فی قوله تعالى: * (قد جاءکم من الله نور وکتاب) * (المائدة: 15) فکأن الله عز شأنه أمسک عنهم النور وحرمهم الانتفاع به، ولم یسمه سبحانه ضوءا لتتأتى هذه الإشارة - لو قال هنا ذهب الله بضوئهم - بل کساه من حلل أسمائه وأفاض علیه من أنوار آلائه فهو المظهر الأتم والرداء المعلم. هذا وإضافة النور إلیهم لأدنى ملابسة لأنه للنار فی الحقیقة لکن لما کانوا ینتفعون به صح إضافته إلیهم، وقرأ ابن السمیقع وابن أبی عبلة فلما أضاءت ثلاثیا وتخریجها یعلم مما تقدم، وقرأ الیمانی أذهب الله نورهم وفیها تأیید لمذهب سیبویه. * (وترکهم فی ظلمات لا یبصرون) * عطف على قوله تعالى: * (ذهب الله بنورهم) * وهو أوفى بتأدیة المراد فیستفاد منه التقریر لانتفاء النور بالکلیة تبعا لما فیه من ذکر الظلمة وجمعها وتنکیرها، وإیراد * (لا یبصرون) * وجعل الواو للحال بتقدیر قد مع ما فیه یقتضی ثبوت الظلمة قبل ذهاب النور ومعه، ولیس المعنى علیه - والترک - فی المشهور طرح الشیء کترک العصا من یده أو تخلیته محسوسا کان أو غیره وإن لم یکن فی یده کترک وطنه ودینه، وقال الراغب: ترک الشیء رفضه قصدا واختیارا أو قهرا واضطرارا. ویفهم من " المصباح " أنه حقیقة فی مفارقة المحسوسات ثم استعیر فی المعانی، وفی کون الفعل من النواسخ الناصبة للجزأین لتضمینه معنى صیر أم لا خلاف - والکل هنا محتمل - فعلى الأول: (هم) مفعوله الأول، (وفی ظلمات) مفعوله الثانی، و * (لا یبصرون) * صفة لظلمات بتقدیر فیها أو حال من الضمیر المستتر، أو من (هم) ولا یجوز أن یکون فی ظلمات حالا، و * (لا یبصرون) * مفعولا ثانیا لأن الأصل فی الخبر أن لا یکون مؤکدا وإن جوزه بعضهم. وعلى الثانی: (هم) مفعوله، و * (فی ظلمات لا یبصرون) * حالان مترادفان من المفعول أو متداخلان، فالأول: من المفعول والثانی: من الضمیر فیه أو * (فی ظلمات) * متعلق ب * (ترکهم) * و * (لا یبصرون) * حال، والظلمة فی المشهور عدم الضوء عما من شأنه أن یکون مستضیئا، فالتقابل بینهما وبین الضوء تقابل العدم والملکة، واعترض بأن الظلمة کیفیة محسوسة ولا شیء من العدم کذلک وبأنها مجعولة کما یقتضیه قوله تعالى: * (وجعل الظلمات والنور) * (الأنعام: 1) والمجعول لا یکون إلا موجودا، وأجیب عن الأول بمنع الصغرى فإنا إذا غمضنا العین لا نشاهد شیئا ألبتة کذلک إذا فتحنا العین فی الظلمة؛ وعن الثانی بالمنع أیضا فإن الجاعل کما یجعل الموجود یجعل العدم الخاص کالعمى والمنافی للمجعولیة هو العدم الصرف، وقیل: کیفیة مانعة من الأبصار فالتقابل تقابل التضاد، واعترض بأنه لو کانت کیفیة لما اختلف حال من فی الغار المظلم ومن هو فی الخارج فی الرؤیة وعدمها إلا أن یقال المراد أنها کیفیة مانعة من إبصار ما فیها فیندفع الاعتراض عنه، وربما یرجح علیه بأنه قد یصدق على الظلمة الأصلیة السابقة على وجود العالم دونه کما قیل، وقیل: التقابل بین النور والظلمة تقابل الإیجاب والسلب وجمع الظلمات إما لتعددها فی الواقع سواء رجع ضمیر الجمع إلى المستوقدین أو المنافقین أو لأنها فی الحقیقة، وإن
|