تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٦۸   

کانت ظلمة واحدة لکنها لشدتها استعیر لها صیغة الجمع مبالغة - کما قیل رب واحد یعدل ألفا - أو لأنه لما کان لکل واحد ظلمة تخصه جمعت بذلک الاعتبار کذا قالوا. ومن اللطائف أن الظلمة حیثما وقعت فی القرآن وقعت مجموعة والنور حیثما وقع وقع مفردا، ولعل السبب هو أن الظلمة وإن قلت تستکثر والنور وإن کثر یستقل ما لم یضر، وأیضا کثیرا ما یشار بهما إلى نحو الکفر والإیمان والقلیل من الکفر کثیر والکثیر من الإیمان قلیل فلا ینبغی الرکون إلى قلیل من ذاک ولا الاکتفاء بکثیر من هذا، وأیضا معدن الظلمة بهذا المعنى قلوب الکفار * (تحسبهم جمیعا وقلوبهم شتى) * (الحشر: 14) ومشرق النور بذلک المعنى قلوب المؤمنین وهی کقلب رجل واحد، وأیضا النور المفاض هو الوجود المضاف وهو واحد لا تعدد فیه کما یرشدک إلیه قوله تعالى: * (الله نور السموات والأرض) * (النور: 35) وفی الظلمة لا یرى مثل هذا، وأیضا الظلمة یدور أصل معناها على المنع فلذا أخذت من قولهم - ما ظلمک أن تفعل کذا - أی ما منعک، وفی " مثلثات " ابن السید الظلم بفتح الظاء شخص کل شیء یسد بصر الناظر یقال لقیته أول ذی ظلم أی أول شخص یسد بصری وزرته واللیل ظلم أی مانع من الزیارة فکأنها سمیت ظلمة لأنها تسد فی المشهور وتمنع الرؤیة، فباعتبار تعدد الموانع جمعت ولم یعتبر مثل هذا فی أصل معنى النور فلم یجمع إلى غیر ذلک وإنما نکرت ظلمات هنا ولم تضف إلى ضمیرهم کما أضیف النور اختصارا للفظ واکتفاء بما دل علیه المعنى، والظرفیة مجازیة کیفما فسرت الظلمة على بعض الآراء، و * (لا یبصرون) * منزل منزلة اللازم لطرح المفعول نسیا منسیا، ولعدم القصد إلى مفعول دون مفعول فیفید العموم، وقرأ الجمهور: * (فی ظلمات) * بضم اللام، والحسن وأبو السماک بسکونها، وقوم بفتحها، والکل جمع ظلمة.
وزعم قوم أن (ظلمات) بالفتح جمع ظلم (جمع ظلمة) فهی جمع الجمع، والعدول إلى الفتح تخفیفا مع سماعه فی أمثاله أسهل من ادعاء جمع الجمع إذ لیس بقیاسی ولا دلیل قطعی علیه، وقرأ الیمانی فی (ظلمة)، وفی الآیة إشارة إلى تشبیه إجراء کلمة الشهادة على ألسنة من ذکر - والتحلی بحلیة المؤمنین ونحو ذلک - مما یمنع من قتلهم ویعود علیهم بالنفع الدنیوی من نحو الأمن والمغانم، وعدم إخلاصهم لما أظهروه بالنفاق الضار فی الدین بإیقاد نار مضیئة للانتفاع بها أطفأها الله تعالى فهبت علیهم الریاح والأمطار وصیرت موقدها فی ظلمة وحسرة، ویحتمل أنهم لما وصفوا بأنهم * (اشتروا الضلالة بالهدى) * (البقرة: 16) عقب ذلک بهذا التمثیل لتشبیه هداهم الذی باعوه بالنار المضیئة ما حول المستوقد، والضلالة التی اشتروها وطبع الله تعالى بها على قلوبهم بذهاب الله تعالى بنورهم وترکه إیاهم فی الظلمات، والتفسیر المأثور عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما کما أخرجه ابن جریر عنه أن ذلک مثل للإیمان الذی أظهروه لاجتناء ثمراته بنار ساطعة الأنوار موقدة للانتفاع والاستبصار ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاکهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إیاها وإذهاب نورها، ویحتمل التشبیه وجوها أخر.
ومن البطون القرآنیة التی ذکرها ساداتنا الصوفیة نفعنا الله تعالى بهم أن الآیة مثل من دخل طریقة الأولیاء بالتقلید لا بالتحقیق فعمل عمل الظاهر وما وجد حلاوة الباطن فترک الأعمال بعد فقدان الأحوال، أو مثل من استوقد نیران الدعوى ولیس عنده حقیقة المعنى فأضاءت ظواهره بالصیت والقبول فأفشى الله تعالى نفاقه بین الخلق حتى نبذوه فی الآخر ولا یجد مناصا من الفضیحة یوم تبلى السرائر، وقال أبو الحسن الوراق: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم یصحح أحوال الإرادة فارتقى من تلک الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأکابر فکان یضیء علیه أحوال إرادته لو صححها بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله تعالى عنه تلک الأنوار وبقی فی ظلمات دعاویه لا یبصر طریق الخروج منها، نسأل الله تعالى العفو والعافیة ونعوذ به من الحور بعد الکور.
* (صم بکم عمى فهم لا یرجعون) *
الأوصاف جموع کثرة على وزن


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب