|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۷۵
بما تفیده من المبالغة لأن - الکافرین - وضع موضع الضمیر وعبر به إشعارا باستحقاق ذوی الصیب ذلک العذاب لکفرهم فیکون الکلام على حد قوله تعالى: * (مثل ما ینفقون فی هذه الحیاة الدنیا کمثل ریح فیها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلکته) * (آل عمران: 117) فإن التشبیه بحرث قوم کذلک لا یخفى حسنه لأن الاهلاک عن سخط أشد وأبلغ وفیه تنبیه على أن ما صنعوه من سد الآذان بالأصابع لا یغنی عنهم شیئا وقد أحاط بهم الهلاک ولا یدفع الحذر القدر وماذا یصنع مع القضاء تدبیر البشر. وجعل الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أن المراد (بالکافرین) المنافقون ولا محیص لهم عن عذاب الدارین ووسط بین أحوال المشبه به لإظهار کمال العنایة بشأن المشبه والتنبیه على شدة الاتصال مما یأباه الذوق السلیم. * (یکاد البرق یخطف أبصارهم کلمآ أضآء لهم مشوا فیه وإذآ أظلم علیهم قاموا ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على کل شىء قدیر) * * (یکاد البرق یخطف أبصارهم) * استئناف آخر بیانی کأنه قیل: فکیف حالهم مع ذلک البرق؟ فقال: * (یکاد) * الخ، وفی " البحر " یحتمل أن یکون فی موضع جر لذوی المحذوفة فیما تقدم ویکاد مضارع کاد من أفعال المقاربة وتدل على قرب وقوع الخبر وأنه لم یقع والأول لوجود أسبابه والثانی لمانع أو فقد شرط على ما تقضی العادة به، والمشهور أنها إن نفیت أثبتت وإن أثبتت نفت وألغزوا بذلک، ولم یرتض هذا أبو حیان وصحح أنها کسائر الأفعال فی أن نفیها نفی وإثباتها إثبات، واللام فی البرق للعهد إشارة إلى ما تقدم نکرة، وقیل: إشارة إلى البرق الذی مع الصواعق أی برقها وهو کما ترى. وإسناد الخطف وهو فی الأصل الأخذ بسرعة أو الاستلاب إلیه من باب إسناد الاحراق إلى النار وسیأتی إن شاء الله تعالى تحقیقه قریبا. والشائع فی خبر کاد أن یکون فعلا مضارعا غیر مقترن بأن المصدریة الاستقبالیة أما المضارع فلدلالته على الحال المناسب للقرب حتى کأنه لشدة قربه وقع وأما أنه غیر مقترن بأن فلمنافاتها لما قصدوا ونحو - وأبت إلى فهم وما کدت آیبا، وکان الفقر أن یکون کفرا، وقد کاد - من طول البلى أن یمحصا - قلیل. وقرأ مجاهد وعلی بن الحسین ویحیى بن وثاب * (یخطف) * بکسر الطاء والفتح أفصح. وعن ابن مسعود (یختطف) وعن الحسن (یخطف) بفتح الیاء والخاء وأصله یختطف فأدغم التاء فی الطاء. وعن عاصم وقتادة والحسن أیضا (یخطف) بفتح الیاء وکسر الخاء والطاء المشددة. وعن الحسن أیضا والأعمش (یخطق) بکسر الثلاثة والتشدید. وعن زید (یخطف) بضم الیاء وفتح الخاء وکسر الطاء المشددة وهو تکثیر مبالغة لا تعدیة، وکسر الطاء فی الماضی لغة قریش، وهی اللغة الجیدة. * (کلمآ أضآء لهم مشوا فیه وإذا أظلم علیهم قاموا) * استئناف ثالث کأنه لما قیل إنهم مبتلون باستمرار تجدد خطف الأبصار فهم منه أنهم مشغولون بفعل ما یحتاج إلى الأبصار ساعة فساعة وإلا لغطوها کما سدوا الآذان، فسئل وقیل: ما یفعلون فی حالتی ومیض البرق وعدمه؟ فأجیب بأنهم حراص على المشی - کلما أضاء لهم اغتنموه ومشوا وإذا أظلم علیهم توقفوا مترصدین. و * (کلما) * فی هذه الآیة وأمثالها منصوبة على الظرفیة وناصبها (ما) هو جواب معنى. و (ما) حرف مصدری أو اسم نکرة بمعنى وقت فالجملة بعدها صلة أو صفة وجعلت شرطا لما فیها من معناه وهی لتقدیر ما بعدها بنکرة تفید عموما بدلیا ولهذا أفادت (کلما) التکرار کما صرح به الأصولیون وذهب إلیه بعض النحاة واللغویین واستفادة التکرار من (إذا) وغیرها من أدوات الشرط من القرائن الخارجیة على الصحیح، ومن ذلک قوله: إذا وجدت أوار الحب من کبدی * أقبلت نحو سقاء القوم أبترد وزعم أبو حیان أن التکرار الذی ذکره الأصولیون وغیرهم فی (کلما) إنما جاء من عموم کل لا من وضعها وهو مخالف للمنقول والمعقول، وقد استعلمت هنا فی لازم معناها کنایة أو مجازا وهو الحرص والمحبة لما دخلت علیه
|