تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۷٤   

ومسحت بالمندیل فإن ذلک حقیقة من أن الدخول والمجیء والمسح فی بعض - البلد، واللیلة، والمندیل - ولا یخفى أن کون مثل ذلک حقیقة لیس على إطلاقه، والفرق بینه وبین ما نحن فیه ظاهر. و * (من) * تعلیلیة تغنی غناء اللام فی المفعول له وتدخل على الباعث المتقدم والغرض المتأخر وهی متعلقة ب * (یجعلون) * وتعلقها بالموت بعید - أی یجعلون - من أجل الصواعق وهی جمع صاعقة ولا شذوذ، والظاهر أنها فی الأصل صفة من الصعق وهو الصراخ وتاؤها للتأنیث إن قدرت صفة لمؤنث أو للمبالغة إن لم تقدر - کراویة - أو للنقل من الوصفیة إلى الاسمیة - کحقیقة - وقیل: إنها مصدر کالعافیة والعاقبة وهی اسم لکل هائل مسموع أو مشاهد، والمشهور أنها الرعد الشدید معه قطعة من نار لا تمر بشیء إلا أتت علیه، وقد یکون معه جرم حجرى أو حدیدی، وسد الآذان إنما ینفع على المعنى الأول، وقد یراد المعنى الثانی ویکون فی الکلام إشارة إلى مبالغة أخرى فی فرط دهشتهم حیث یظنون ما لا ینفع نافعا، وقرأ الحسن (من الصواقع) وهی لغة بنی تمیم کما فی قوله:
الم تر أن المجرمین أصابهم * صواقع لا بل هن فوق الصواقع ولیس من باب القلب على الأصح إذ علامته کون أحد البناءین فائقا للآخر ببعض وجوه التصریف والبناءان هنا مستویان فی التصرف. و * (حذر الموت) * نصب على العلة ل‌ * (یجعلون) * وإن کان من الصواعق فی المعنى مفعولا له کان هناک نوعان منصوب ومجرور، ولزوم العطف فی مثله غیر مسلم خلافا لمن زعمه ولا مانع من أن یکون علة له مع علته کما أن من الصواعق علة له نفسه، وورد مجیء المفعول له معرفة وإن کان قلیلا کما فی قوله: وأغفر عوراء الکریم ادخاره * وأعرض عن شتم اللئیم تکرما وجعله مفعولا مطلقا لمحذوف أی یحذرون حذر الموت - بعید. وقرأ قتادة والضحاک وابن أبی لیلى (حذار) وهو کحذر شدة الخوف. والموت فی المشهور زوال الحیاة عما یتصف بها بالفعل وإطلاقه على العدم السابق فی قوله سبحانه: * (وکنتم أمواتا فأحیاکم) * (البقرة: 28) مجاز ولا یرد قوله تعالى: * (خلق الموت) * (الملک: 2) إذ لخلق فیه بمعنى التقدیر وتعیین المقدار بوجه ما وهو مما یوصف به الموجود والمعدوم لأن العدم کالوجود له مدة ومقدار معین عنده تعالى، وقیل: المراد بخلق الموت إحداث أسبابه، وقیل: إنه العدم مطلقا وإن لم یکن مخلوقا إلا أن إعدام الملکات مخلوقة لما فیها من شائبة التحقق بمعنى أن استعداد الموضوع معتبر فی مفهومها وهو أمر وجودی فیجوز أن یعتبر تعلق الخلق والإیجاد باعتبار ذلک، وصحح محققو أهل السنة أن الموت صفة وجودیة خلقت ضدا للحیاة، ولهذا یظهر کما فی الحدیث: " یوم تتجسد المعانی - کما قال أهل الله تعالى - بصورة کبش أملح " ویصیر عدما محضا إذ یذبح بمدیة الحیاة التی لا ینتهی أمدها.
* (والله محیط بالک‌افرین) * أی: لا یفوتونه کما لا یفوت المحاط المحیط فإحاطته تعالى بهم مجاز تشبیها لحال قدرته الکاملة التی لا یفوتها المقدور أصلا بإحاطة المحیط بالمحاط بحیث لا یفوته فیکون فی الإحاطة استعارة تبعیة وإن شبه حاله تعالى - وله المثل الأعلى - معهم بحال المحیط مع المحاط بأن تشبه هیئة منتزعة من عدة أمور بمثلها کان هناک استعارة تمثیلیة لا تصرف فی مفرداتها إلا أنه صرح بالعمدة منها وقدر الباقی فافهم.
وجوز أبو علی فی * (محیط) * أن یکون بمعنى مهلک کما فی قوله تعالى: * (وأحاطت به خطیئته) * (البقرة: 81) أو عالم علم مجازاة کما فی قوله تعالى: * (وأحاط بما لدیهم) * (الجن: 28) وکل هذا من الظاهر، ولأهل الشهود کلام من ورائه محیط - والواو اعتراضیة لا عاطفة ولا حالیة والجملة معترضة بین جملتین من قصة واحدة وفیها تتمیم للمقصود من التمثیل


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب