|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۷٣
فأقول: قد صح عند أساطین الحکمة والنبوة مما شاهدوه فی أرصادهم الروحانیة فی خلواتهم وریاضاتهم وکذا عند سائر المتألهین الربانیین من حکماء الإسلام والفرس وغیرهم أن لکل نوع جسمانی من الأفلاک والکواکب والبسائط العنصریة ومرکباتها ربا هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر له حافظ إیاه وهو المنمی والغاذی والمولد فی النبات والحیوان والإنسان لامتناع صدور هذه الأفعال المختلفة فی النبات والحیوان عن قوة بسیطة لا شعور لها وفینا عن أنفسنا وإلا لکان لنا شعور بها، فجمیع هذه الأفعال من الأرباب وإلى تلک الأرباب أشار صاحب الرسالة العظمى صلى الله علیه وسلم بقوله: " وإن لکل شیء ملکا " حتى قال: " إن کل قطرة من القطرات ینزل معها ملک " وقال: " أتانی ملک الجبال وملک البحار " وحکى أفلاطون عن نفسه أنه خلع الظلمات النفسانیة والتعلقات البدنیة وشاهدها، وذکر مولانا الشیخ صدر الدین القونوی قدس سره فی " تفسیره الفاتحة " أنه ما ثم صورة إلا ولها روح، وأطال أهل الله تعالى الکلام فی ذلک، فإذا علمت هذا فلا بعد فی أن یقال: أراد صلى الله علیه وسلم بالملک الموکل بالسحاب فی بیان الرعد هو هذا الرب المدبر الحافظ وبزجره تدبیره له حسب استعداده وقابلیته، وأراد بصوت ذلک الزجر ما یحدث عند الشق بالأبخرة الذی یقتضیه ذلک التدبیر، وأراد بالمخاریق - فی بیان البرق وهی جمع مخراق وهو فی الأصل ثوب یلف وتضرب به الصبیان بعضهم بعضا - الآلة التی یحصل بواسطتها الشق، ولا شک أنها کما قررنا من نار أشعلتها شدة الحرکة والمحاکة فظهرت کما ترى، وحیث فتحنا لک هذا الباب قدرت على تأویل کثیر مما ورد من هذا القبیل حتى قولهم: إن الرعد نطق الملک والبرق ضحکه، وإن کان بحسب الظاهر مما یضحک منه، ولم أر أحدا وفق فوفق وتحقق فحقق والله تعالى الموفق وهو حسبی ونعم الوکیل. * (یجعلون أصابعهم فی ءاذانهم من الصواعق حذر الموت) * الضمائر عائدة على المحذوف المعلوم فیما قبل وکثیرا ما یلتفت إلیه کما فی قوله تعالى: * (وکم من قریة أهلکناها فجاءها بأسنا بیاتا أو هم قائلون) * (الأعراف: 4). والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب مبنی على سؤال نشأ من الکلام کأنه قیل عند بیان أحوالهم الهائلة فماذا یصنعون فی تضاعیف تلک الشدة فقال: * (یجعلون) * الخ، وجوزوا وجوها أخر ککونها فی محل جر صفة للمقدر وجوز فیها وفی * (یکاد) * (البقرة: 20) کونها صفة صیب بتأویل نحو - لا یطیقونه - أو فی محل نصب على الحال من ضمیر فیه، والعائد محذوف أو اللام نائبة عنه أی صواعقه، والجعل فی الأصل الوضع. والأصابع جمع إصبع وفیه تسع لغات حاصلة من ضرب أحوال الهمزة الثلاث فی أحوال الباء کذلک، وحکوا عاشرة وهی أصبوع بضمها مع واو وهی مؤنثة وکذا سائر أسمائها إلا الإبهام فبعض بنی أسد یذکرها والتأنیث أجود. وفی الآیة مبالغة فی فرط دهشتهم وکمال حیرتهم کما فی الفرائد من وجوه. أحدها: نسبة الجعل إلى کل الأصابع وهو منسوب إلى بعضها وهو الأنامل وثانیها: من حیث الإبهام فی الأصابع والمعهود إدخال السبابة فکأنهم من فرط دهشتهم یدخلون أی أصبح کانت ولا یسلکون المسلک المعهود وثالثها: فی ذکر الجعل موضع الإدخال فإن جعل شیء فی شیء أدل على إحاطة الثانی بالأول من إدخاله فیه، وهل هذا من المجاز اللغوی لتسمیة الکل باسم جزئه أو للتجوز فی الجعل؟ أو هو من المجاز العقلی بأن ینسب الجعل للأصابع وهو للأنامل، فیه خلاف والمشهور هو الأول وعلیه الجمهور. وابن مالک وجماعة على الأخیر ظنا منهم أن المبالغة فی الاحتراز عن استماع الصاعقة إنما یکون علیه ولم یکتفوا فیها بتبادر الذهن إلى أن الکل أدخل فی الأذن قبل النظر للقرینة، وقیل: لا مجاز هنا أصلا لأن نسبة بعض الأفعال إلى ذی أجزاء تنقسم یکفی فیه تلبسه ببعض أجزائه کما یقال: دخلت البلد وجئت لیلة الخمیس
|