|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۷۲
یمطر أسفلهم وشاهدوا تارات أبخرة تتصاعد من نحو الجبال فتنعقد سحابا فیمطر، فإیاک أن تلتفت لبرق کلام خلب ولا تظن أن ذلک علم فالجهل منه أصوب، ثم حمل الصیب هنا على السحاب وإن کان محتملا غیر أنه بعید بعد الغمام وکذا حمل السماء علیه. * (فیه ظلمات ورعد وبرق) * أی معه ذلک کما فی قوله تعالى: * (ادخلوا فی أمم) * (الأعراف: 38) وإذا حملت * (فی) * على الظرفیة کما هو الشائع فی کلام المفسرین احتیج إلى حمل الملابسة التی تقتضیها الظرفیة على مطلق الملابسة الشاملة للسببیة والمجاورة وغیرهما ففیه بذلک المعنى ظلمات ثلاث ظلمة تکاثفه بتتابعه، وظلمة غمامه من ظلمة اللیل التی یستشعرها الذوق من قوله تعالى: * (کلما أضاء لهم مشوا فیه) * (البقرة: 20) وکذا فیه رعد وبرق لأنهما فی منشئه ومحل ینصب منه، وقیل: فیه - وهو کما قال الشهاب - وهم نشأ من عدم التدبر، وإن کان المراد بالصیب السحاب فأمر الظرفیة أظهر، والظلمات حینئذ ظلمة السحمة والتطبیق مع ظلمة اللیل، وجمع الظلمات على التقدیرین مضیء، ولم یجمع الرعد والبرق وإن کانا قد جمعا فی " لسان العرب "، وبه تزداد المبالغة وتحصل المطابقة مع الظلمات والصواعق لأنهما مصدران فی الأصل، وإن أرید بهما العینان هنا کما هو الظاهر، والأصل فی المصدر أن لا یجمع على أنه لو جمعا لدل ظاهرا على تعدد الأنواع کما فی المعطوف علیه، وکل من الرعد والبرق نوع واحد. وذکر الشهاب مدعیا أنه مما لمعت به بوارق الهدایة فی ظلمات الخواطر نکتة سریة فی إفرادهما هنا وهی أن الرعد کما ورد فی الحدیث وجرت به العادة یسوق السحاب من مکان لآخر فلو تعدد لم یکن السحاب مطبقا فتزول شدة ظلمته وکذا البرق لو کثر لمعانه لم تطبق الظلمة کما یشیر إلیه قوله تعالى: * (کلما أضاء لهم مشوا فیه) * (البقرة: 20) فافرادهما متعین هنا وعندی - وهو من أنوار العنایة المشرقة على آفاق الأسرار - أن النور لما لم یجمع فی آیة من القرآن - لما تقدم - لم یجمع البرق إذ لیس هو البعید عنه کما یرشدک إلیه * (لکما أضاء لهم) * والرعد مصاحب له فانعکست أشعته علیه. أو ما ترى الجلد الحقیر مقبلا * بالثغر لما صار جار المصحف وارتفاع ظلمات إما على الفاعلیة للظرف المعتمد على الموصوف أو على الابتدائیة والظرف خبره وجعل الظرف حالا من النکرة المخصصة وظلمات فاعله لا یخلو عن ظلمة البعد کما لا یخفى. وللناس فی الرعد والبرق أقوال: والذی عول علیه أن الأول: صوت زجر الملک الموکل بالسحاب، والثانی: لمعان مخاریقه التی هی من نار. والذی اشتهر عند الحکماء أن الشمس إذا أشرقت على الأرض الیابسة حللت منها أجزاء ناریة یخالطها أجزاء أرضیة فیرکب منهما دخان ویختلط بالبخار وهو الحادث بسبب الحرارة السماویة إذا أثرت فی البلة ویتصاعدان معا إلى الطبقة الباردة وینعقد ثمة سحاب ویحتقن الدخان فیه ویطلب الصعود إن بقى على طبعه الحار والنزول إن ثقل وبرد وکیف کان یمزق السحاب بعنفه فیحدث منه الرعد، وقد تشتعل منه لشدة حرکته ومحاکته - نار لامعة وهی البرق إن لطفت والصاعقة إن غلظت، وربما کان البرق سببا للرعد فإن الدخان المشتعل ینطفىء فی السحاب فیسمع لانطفائه صوت کما إذا أطفأنا النار بین أیدینا، والرعد والبرق یکونان معا إلا أن البرق یرى فی الحال لأن الأبصار لا یحتاج إلى المحاذاة من غیر حجاب، والرعد یسمع بعد لأن السماع إنما یحصل بوصول تموج الهواء إلى القوة السامعة وذلک یستدعی زمانا کذا قالوه، وربما یختلج فی ذهنک قرب هذا ولا تدری ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسری به لیلا بلا رعد ولا برق على ظهر البراق وعرج إلى ذی المعارج حیث لا زمان ولا مکان فرجع وهو أعلم خلق الله على الإطلاق صلى الله علیه وسلم فأنا بحول من عز حوله وتوفیق من غمرنی فضله أوفق بما یزیل الغین عن العین ویظهر سر جوامع الکلم التی أوتیها سید الکونین صلى الله علیه وسلم.
|