تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۷۱   

الإباحة والتخییر کذلک، وحینئذ لا یلزم الاشتراک ولا الحقیقة والمجاز، وبعضهم یقول: إنها باعتبار الأصل موضوعة للتساوی فی الشک، وحمل على أنه فرد من أفراد المعنى الحقیقی ثم اتسع فیها فجاءت للتساوی من غیر شک کما - فیما نحن فیه - على رأی إذ المعنى مثل بأی القصتین شئت فهما سواء فی التمثیل ولا بأس لو مثلت بهما جمیعا وإن کان التشبیه الثانی أبلغ لدلالته على فرط الحیرة وشدة الأمر وفظاعته ولذا أخر لیتدرج من الأهون إلى الأهول، وزعم بعضهم أن * (أو) * هنا بمعنى الواو وما فی الآیتین تمثیل واحد، وقیل: بمعنى بل، وقیل: للإبهام، والکل لیس بشیء، نعم اختار أبو حیان أنها للتفصیل وکأن من نظر إلى حالهم منهم من یشبهه بحال المستوقد؛ ومنهم من یشبهه بحال ذوی صیب مدعیا أن الإباحة وکذا التخییر لا یکونان إلا فی الأمر أو ما فی معناه انتهى. ولا یخفى على من نظر فی معناه وحقق ما معناه أن ما نحن فیه داخل فی الشق الثانی على أن دعوى الاختصاص مما لم یجمع علیه الخواص، فقد ذکر ابن مالک أن أکثر ورود (أو) للإباحة فی التشبیه نحو * (فهی کالحجارة أو أشد قسوة) * (البقرة: 74) والتقدیر نحو * (فکان قاب قوسین أو أدنى) * (النجم: 9) والصیب فی المشهور المطر من صاب یصوب إذا نزل وهو المروی هنا عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء وغیرهم رضی الله تعالى عنهم، ویطلق على السحاب أیضا کما فی قوله: حتى عفاها صیب ودقه * دانی النواحی مسبل هاطل ووزنه فیعل بکسر العین عند البصریین وهو من الأوزان المختصة بالمعتل العین إلا ما شذ من صیقل بکسر القاف علم لامرأة، والبغدادیون یفتحون العین وهو قول تسد الأذن عنه، وقریب منه قول الکوفیین: إن أصله فعیل کطویل فقلب، وهل هو اسم جنس أو صفة بمعنى نازل أو منزل؟ قولان أشهرهما الأول، وأکثر نظائره فی الوزن من الثانی، وقرىء (أو کصائب) وصیب أبلغ منه، والتنکیر فیه للتنویع والتعظیم، والسماء کل ما علاک من سقف ونحوه والمعروفة عند خواص أهل الأرض والمرئیة عند عوامهم، وأصلها الواو من السمو وهی مؤنثة وقد تذکر کما فی قوله: فلو رفع السماء إلیه قوما * لحقنا بالسماء مع السحاب وتلحقها هاء التأنیث فتصح الواو حینئذ کما قاله أبو حیان لأنها بنیت علیها الکلمة فیقال سماوة وتجمع على سموات وأسمیة وسمائی، والکل کما فی " البحر " شاذ لأنها اسم جنس وقیاسه أن لا یجمع، وجمعه بالألف والتاء خال عن شرط ما یجمع بهما قیاسا، وجمعه على أفعلة لیس مما ینقاس فی المؤنث، وعلى فعائل لا ینقاس فی فعال. والمراد بالسماء هنا الأفق والتعریف للاستغراق لا للعهد الذهنی کما ینساق لبعض الأذهان فیفید أن الغمام آخذ بالآفاق کلها فیشعر بقوة المصیبة مع ما فیه من تمهید الظلمة ولهذا القصد ذکرها، وعندی أن الذکر یحتمل أن یکون أیضا للتهویل والإشارة إلى أن ما یؤذیهم جاء من فوق رؤوسهم وذلک أبلغ فی الإیذاء کما یشیر إلیه قوله تعالى: * (یصب من فوق رؤوسهم الحمیم) * (الحج: 19) وکثیرا ما نجد أن المرء یعتنی بحفظ رأسه أکثر مما یعتنی بحفظ سائر أطرافه حتى أن المستطیع من الناس یتخذ طیلسانا لذلک، والعیان الوجدان أقوى شاهد على ما قلنا. و * (من) * لابتداء الغایة، وقیل: یحتمل أن تکون للتبعیض على حذف مضاف أی من أمطار السماء ولیس بشیء، وزعم بعضهم أن الآیة تبطل ما قیل: إن المطر من أبخرة متصاعدة من السفل وهو من أبخرة الجهل إذ لیس فی الآیة سوى أن المطر من هذه الجهة وهو غیر مناف لما ذکر، کیف والمشاهدة تقضی به فقد حدثنی من بلغ مبلغ التواتر أنهم شاهدوا وهم فوق الجبال الشامخة سحابا


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب