|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۹۱
فلا تشبهوه بخلقه فافهم، ویحتمل أن تکون الفاء زائدة مشعرة بالسببیة وجملة النهی بتأویل القول خبر عن الذی على جعله مبتدأ، وقیل: الجملة متعلقة بالذی، والفاء جزاء شرط محذوف، والمعنى هو الذی جعل لکم ما ذکر من النعم المتکاثرة، وإذا کان کذلک: فلا تجعلوا الخ، والجعل هنا بمعنى التصییر وهو کما یکون بالفعل نحو صیرت الحدید سیفا، ومنه ما تقدم على وجه یکون بالقول والعقد. والأنداد جمع ند کعدل أو أعدال أو ندید کیتیم وأیتام والند مثل الشیء الذی یضاده ویخالفه فی أموره وینافره ویتباعد عنه ولیس من الأضداد على الأصح، وأصله من ند ندودا إذا نفر، وقیل: الند المشارک فی الجوهریة فقط، والشکل المشارک فی القدر والمساحة، والشبه المشارک فی الکیفیة فقط، والمساوی فی الکمیة فقط، والمثل عام فی جمیع ذلک، وفی تسمیة ما یعبده المشرکون من دون الله أندادا والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله فی ذاته تعالى وصفاته ولا تخالفه فی أفعاله. وأنما عبدوها لتقربهم إلیه سبحانه زلفى إشارة إلى استعارة تهکمیة حیث استعیر النظیر المصادر للمناسب المقرب کما استعیر التبشیر للإنذار والأسد للجبان، وإن أرید بالند النظیر مطلقا لم یکن هناک تضاد وإنما هو من استعارة أحد المتشابهین للآخر، فإن المشرکین جعلوا الأصنام بحسب أفعالهم وأحوالهم مماثلة له تعالى فی العبادة، وهی خطة شنعاء وصفة حمقاء فی ذکرها ما یستلزم تحمیقهم والتهکم بهم، ولعل الأول أولى، وفی الإتیان بالجمع تشنیع علیهم حیث جعلوا * (أندادا) * لمن یستحیل أن یکون له ند واحد، ولله در موحد الفترة زید بن عمر بن نفیل رضی الله تعالى عنه حیث یقول فی ذلک: أربا واحدا أم ألف رب * أدین إذا تقسمت الأمور ترکت اللات والعزى جمیعا * کذلک یفعل الرجل البصیر * (وأنتم تعلمون) * حال من ضمیر (لا تجعلوا) والمفعول مطروح أی: وحالکم أنکم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابة الرأی فإذا تأملتم أدنى تأمل علمتم وجود صانع یجب توحیده فی ذاته وصفاته لا یلیق أن یعبد سواه، أو مقدر حسبما یقتضیه المقام ویسد مسد مفعولی العلم، أی: تعلمون أنه سبحانه لا یماثله شیء، أو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما یفعله، والحال على الوجه الأول للتوبیخ أو التقیید إذ العلم مناط التکلیف ولا تکلیف عند عدم الإهلیة، وعلى الوجه الثانی للتوبیخ لا غیر لأن قید الحکم تعلیق العلم بالمفعول، ومناط التکلیف العلم فقط والتوبیخ باعتبار أفراد المخاطبین بالنهی بناء على عموم الخطاب حسبما مر فی الأمر فلا یستدعی تخصیص الخطاب بالکفرة على أنه لا بأس بالتخصیص بهم أمرا ونهیا بل قیل: إنه أولى للخلاص من التکلف وحسن الانتظام إذ لا محیص فی ظاهر آیة التحدی من تجرید الخطاب وتخصیصه بالکفرة مع ما فیه من رباء محل المؤمنین ورفع شأنهم عن حیز الانتظام فی سلک الکفرة اللئام والإیذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة مستغنون فی ذلک عن الأمر والنهی فتأمل. وقد تضمنت هذه الآیات من بدائع الصنعة ودقائق الحکمة وظهور البراهین ما اقتضى أنه تعالى المنفرد بالإیجاد المستحق للعبادة دون غیره من الأنداد التی لا تخلق ولا ترزق ولیس لها نفع ولا ضر * (ألا له الخلق والأمر) * (الأعراف: 54) ومن باب الإشارة أنه تعالى مثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل بالماء، وما أفاض على القوابل من الفضائل العلمیة والعملیة المحصلة بواسطة استعمال العقل والحس، وازدواج القوى النفسانیة والبدنیة بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماویة الفاعلة والأرضیة المنفعلة بإذن الفاعل المختار، وقد یقال: إنه تعالى لما امتن علیهم بأنه سبحانه خلقهم والذین من قبلهم ذکر ما یرشدهم إلى معرفة کیفیة خلقهم فجعل الأرض التی هی فراش مثل الأم التی یفترشها الرجل، وهی أیضا تسمى فراشا، وشبه السماء التی علت على الأرض بالأب الذی یعلو على الأم ویغشاها، وضرب
|