|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۹۲
الماء النازل من السماء مثلا للنطفة التی تنزل من صلب الأب وضرب ما یخرج من الأرض من الثمرات مثلا للولد الذی یخرج من الأم، کل ذلک لیؤنس عقولهم ویرشدها إلى معرفة کیفیة التخلیق ویعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج له من بطن أمه کما أنه الخالق للثمرات ومخرجها من بطون أشجارها ومخرج أشجارها من بطن الأرض، فإذا وضح ذلک لهم أفردوه بالألوهیة وخصوه بالعبادة وحصلت لهم الهدایة: تأمل فی ریاض الأرض وانظر * إلى آثار ما صنع الملیک عیون من لجین شاخصات * على أهدابها ذهب سبیک على قضب الزبرجد شاهدات * بأن الله لیس له شریک * (وإن کنتم فى ریب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءکم من دون الله إن کنتم صادقین) * * (وإن کنتم فی ریب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) * لما قرر سبحانه أمر توحیده بأحسن أسلوب عقبه بما یدل على تصدیق رسوله صلى الله علیه وسلم، والتوحید والتصدیق توأمان لا ینفک أحدهما عن الآخر، فالآیة وإن سیقت لبیان الإعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة، وفی التعقیب إشارة إلى الرد على التعلیمیة الذین جعلوا معرفة الله تعالى مستفادة من معرفة الرسول، والحشویة القائلین بعدم حصول معرفته سبحانه إلا من القرآن والأخبار، والعطف إما على قوله تعالى: * (اعبدوا ربکم) * (البقرة: 21) وعلى * (فلا تجعلوا) * (البقرة: 22) وتوجیه الربط بأنه لما أوجب سبحانه وتعالى العبادة ونفی الشرک بإزاء تلک الآیات والانقیاد لها لا یمکن بدون التصدیق بأنها من عنده سبحانه - أرشدهم بما یوجب هذا العلم، ولذا لم یقل جل شأنه وإن کنتم فی ریب من رسالة عبدنا غیر وجیه إذ یصیر علیه البرهان العقلی سمیعا ولو أرید ذلک لکفى اعبدوا، ولاتشرکوا من دون تفصیل الأدلة الأنفسیة والآفاقیة، والظاهر أن الخطاب هنا للکفار وهو المروی عن الحسن، وقیل للیهود لما أن سبب النزول کما روی عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما أنهم قالوا هذا الذی یأتینا به محمد صلى الله علیه وسلم لا یشبه الوحی * (وإنا لفی شک منه) * وقیل: هو على نحو الخطاب فی * (اعبدوا) * (البقرة: 21) وکلمة * (إن) * إما للتوبیخ على الارتیاب وتصویر أنه مما لا ینبغی أن یثبت إلا على سبیل الفرض لاشتمال المقام على ما یزیله، أو لتغلیب من لا قطع بارتیابهم على من سواهم، أو لأن البعض لما کان مرتابا والبعض غیر مرتاب جعل الجمیع کأنه لا قطع بارتیابهم ولا بعدمه وجعلها بمعنى إذا کما ادعاه بعض المفسرین خلاف مذهب المحققین وإیراد کلمة کان لإبقاء معنى المضی فانها لتمحضها للزمان لا تقبلها إن إلى معنى الاستقبال کما ذهب إلیه المبرد وموافقوه والجمهور على أنها کسائر الأفعال الماضیة، وقدر بعضهم بینها وبین إن یکن، أو تبین مثلا ولا یمیل إلیه الفؤاد، وتنکیر الریب للاشعار بأن حقه إن کان أن یکون ضعیفا قلیلا لسطوع ما یدفعه وقوة ما یزیله، وجعله ظرفا بتنزیل المعانی منزلة الأجرام واستقرارهم فیه وإحاطته بهم لا ینافی اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما یقتضیه ذلک هو دوام ملابستهم به لا قوته وکثرته، و (من) ابتدائیة صفة * (ریب) * ولا یجوز أن تکون للتبعیض وحملها على السببیة ربما یوهم کون المنزل محلا للریب وحاشاه، و (ما) موصولة کانت أو موصوفة عبارة عن الکتاب، وقیل: عن القدر المشترک بینه وبین أبعاضه. ومعنى کونهم فی ریب منه ارتیابهم فی کونه وحیا من الله تعالى شأنه، والتضعیف فی * (نزلنا) * للنقل وهو المرادف للهمزة، ویؤید ذلک قراءة زید بن قطیب (أنزلنا) ولیس التضعیف هنا دالا على نزوله منجما لیکون إیثاره على الإنزال لتذکیر منشأ ارتیابهم فقد قالوا: * (لولا نزل علیه القرآن جملة واحدة) * (الفرقان: 32) وبناء التحدی علیه إرخاء للعنان کما ذهب إلیه الکثیر ممن یعقد عند
|