تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٠٣   

وأجاز أبو البقاء کونها حالا من * (الذین) * أو من * (جنات) * لوصفها وهی حینئذ حال مقدرة والأصل فی الحال المصاحبة، والقول بأنها صفة مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت بذلک النعت وإلا لاحتاج إلیه ولا قطع مع الحاجة، و * (کلما) * نصب على الظرفیة ب * (قالوا) *، و * (رزقا) * مفعول ثان لرزقوا کرزقه مالا أی أعطاه، ولیس مفعولا مطلقا مؤکدا لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف، والتأسیس خیر من التأکید مع اقتضاء ظاهر ما بعده له، وتنکیره للتنویع أو للتعظیم أی نوعا لذیذا غیر ما تعرفونه، و (من) الأولى والثانیة للابتداء قصد بهما مجرد کون المجرور بهما موضعا انفصل عنه الشیء، ولذا لا یحسن فی مقابلتها نحو - إلى وهما - ظرفان مستقران واقعان حالا على التداخل، وصاحب الأولى: * (رزقا) * والثانیة: ضمیره المستکن فی الحال، والمعنى کل حین رزقوا - مرزوقا - مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، والشائع کونهما لغوا، والرزق قد ابتدأ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وجعل بمنزلة أن تقول: أعطانی فلان، فیقتل: من أین؟ فتقول: من بستانه، فیقول: من أی ثمرة؟ فتقول: من الرمان، وتحریره أن * (رزقوا) * جعل مطلقا مبتدأ من الجنات ثم جعل مقیدا بالابتداء من ذلک مبتدأ من ثمرة، وعلى القولین لا یرد أنهم منعوا تعلق حرفی جر متحدی اللفظ والمعنى بعامل واحد والآیة تخالفه، أما على الأول فظاهر، وأما على الثانی فلأن ذاک إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداء من غیر تبعیة. وما نحن فیه لیس کذلک للإطلاق والتقیید والمراد من الثمرة على هذا النوع - کالتفاح والرمان - لا الفرد لأن ابتداء الرزق من البستان من فرد یقتضی أن یکون المرزوق قطعة من لا جمیعه وهو رکیک جدا، ویحتمل أن تکون الثانیة مبینة للمرزوق والظرف الأول لغو والثانی مستقر خلافا لمن وهم فیه وقع حالا من النکرة لتقدمه علیها ولتقدمها تقدیرا جاز تقدیم المبین على المبهم، والثمرة یجوز حملها على النوع وعلى الجنأة الواحدة ولم یلتفت المحققون إلى جعل الثانیة تبعیضیة فی موقع المفعول، و * (رزقا) * مصدر مؤکد أو فی موقع الحال من * (رزقا) * لبعده مع أن الأصل التبیین والابتداء فلا یعدل عنهما إلا لداع على أن مدلول التبعیضیة أن یکون ما قبلها أو ما بعدها جزأ لمجرورها لا جزئیا فتأتی الرکاکة ههنا، وجمع سبحانه بین * (منها) * و * (من ثمرة) * ولم یقل - من ثمرها - بدل ذلک لأن تعلق * (منها) * یفید أن سکانها لا تحتاج لغیرها لأن فیها کل ما تشتهی الأنفس، وتعلق * (من ثمرة) * یفید أن المراد بیان المأکول على وجه یشمل جمیع الثمرات دون بقیة اللذات المعلومة من السابق واللاحق، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا ویکفی إحساس أفراده وهذا کقولک مشیرا إلى نهر جار هذا الماء لا ینقطع أو إلى شخصه، والإخبار عنه ب (الذی) الخ على جعله عینه مبالغة أو تقدیر مثل الذی رزقناه من قبل أی فی الدنیا، والحکمة فی التشابه أن النفس تمیل إلى ما یستطاب وتطلب زیادته.
أعد ذکر نعمان لنا إن ذکره * هو المسک ما کررته یتضوع وهذا مختلف بحسب الأحوال والمقامات، أو لتبیین المزیة وکنه النعمة فیما رزقوه هناک إذ لو کان جنسا لم یعهد ظن أنه لا یکون إلا کذلک أو فی الجنة، والتشابه فی الصورة إما مع الاختلاف فی الطعم - کما روی عن الحسن: " إن أحدهم یؤتی بالصحفة فیأکل منها ثم یؤتى بأخرى فیراها مثل الأولى فیقول ذلک؟ فیقول الملک: کل فاللون واحد والطعم مختلف " أو مع التشابه فی الطعم أیضا کما یشیر إلیه قوله صلى الله علیه وسلم: " والذی نفس محمد بیده إن الرجل من أهل الجنة لیتناول الثمرة لیأکلها فما هی واصلة إلى فیه حتى یبدل الله تعالى مکانها مثلها " فلعلهم إذا رأوها على الهیئة الأولى قالوا ذلک، والداعی لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظیم.



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب