تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٠٤   

والمشهور أن کون المراد بالقبلیة فی الدنیا أولى مما یقدم فی الآخرة لأن (کلما) تفید العموم ولا یتصور قولهم ذلک فی أول ما قدم إلیهم، وقیل: کون المراد بها فی الآخرة أولى لئلا یلزم انحصار ثمار الجنة فی الأنواع الموجودة فی الدنیا مع أن فیها ما علمت وما لم تعلم، على أن فیه توفیة بمعنى حدیث تشابه ثمار الجنة وموافقته لمتشابها بعد فإنه فی رزق الجنة أظهر، وإعادة الضمیر إلى المرزوق فی الدارین تکلف وستسمعه بمنه تعالى، وفی الآیة محمل آخر یمیل إلیه القلب بأن یکون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التی یستلذها أصحاب الفطرة والعقول السلیمة، وهذا جزاء مشابه لها فیما ذکر من اللذة کالجزاء الذی فی ضده فی قوله تعالى: * (ذوقوا ما کنتم تعملون) * (العنکبوت: 55) أی جزاءه فالذی رزقناه مجاز مرسل عن جزائه بإطلاق اسم المسبب على السبب ولا یضر فی ذلک أن الجنة وما فیها من فنون الکرامات من الجزاء کما لا یخفى أو هو استعارة بتشبیه الثمار والفواکه بالطاعات والمعارف فیما ذکر، وقیل: أرض الجنة قیعان یظهر فیها أعمال الدنیا کما یشیر إلیه بعض الآثار فثمرة النعیم ما غرسوه فی الدنیا فتدبر * (وأتوا به متش‌ابها) * تذییل للکلام السابق وتأکید له بما یشتمل على معناه لا محل له من الإعراب، ویحتمل الاستئناف والحالیة بتقدیر (قد) وهو شائع، وحذف الفاعل للعلم به وهو ظاهرا الخدم والولدان کما یشیر إلیه قراءة هارون والعتکی (وأتوا) على الفاعل وفیها إضمار لدلالة المعنى علیه، وقد أظهر ذلک فی قوله تعالى: * (یطوف علیهم ولدان مخلدون) * إلى قوله سبحانه: * (وفاکهة مما یتخیرون) * (الواقعة: 17 - 20) والضمیر المجرور إما على تقدیر أن یراد - من قبل - فی الدنیا فراجع إلى المفهوم الواحد الذی تضمنه اللفظان: * (هذا) * - و - * (الذی رزقنا من قبل) * وهو المرزوق فی الدارین - أی أوتوا بمرزق الدارین متشابها بعضه بالبعض - ویسمى هذا الطریق بالکنایة الإیمائیة ولو رجع إلى الملفوظ لقیل بهما، وعبر عما بعضه ماض وبعضه مستقبل بالماضی لتحقق وقوعه، وفی " الکشف " أن المراد من المرزوق فی الدنیا والآخرة الجنس الصالح التناول لکل منهما لا المقید بهما، وإما على تقدیر أن یراد فی الجنة فراجع إلى الرزق أی أوتوا بالمرزوق فی الجنة متشابه الأفراد. قال أبو حیان: والظاهر هذا لأن مرزوقهم فی الآخرة هو المحدث عنه والمشبه بالذی رزقوه من قبل ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة وأحوالها وکونه یخبر عن المرزوق فی الدنیا والآخرة أنه متشابه لیس من حدیث الجنة إلا بتکلف، ولا یعکر على دعوى متشابه ما فی الدارین ما أخرجه البیهقی وغیره عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما أنه قال: " لیس فی الجنة من أطعمة الدنیا إلا الأسماء " لأنه لا یشترط فیه أن یکون من جمیع الوجوه وهو حاصل فی الصورة التی هی مناط الاسم وإن لم یکن فی المقدار والطعم، وتحریره أن إطلاق الأسماء علیها لکونها على الاستعارة یقتضی الاشتراک فیما هو مناطها وهو الصورة، وبذلک یتحقق التشابه بینهما فالمستثنى فی الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل * (ولهم فیها أزواج مطهرة وهم فیها خ‌الدون) * صفة ثالثة ورابعة للجنات وأوردت الأولیتان بالجملة الفعلیة لإفادة التجدد، وهاتان بالإسمیة لإفادة الدوام، وترک العاطف فی البعض مع إیراده فی البعض قیل: للتنبیه على جواز الأمرین فی الصفات، واختص کل بما اختص به لمناسبة لا تخفى، وذهب أبو البقاء إلى أن هاتین الجملتین مستأنفتان، وجوز أن تکون الثانیة حالا من ضمیر الجمع فی: (لهم) والعامل فیها معنى الاستقرار والأزواج جمع قلة وجمع الکثرة زوجة کعود وعودة ولم یکثر استعماله فی الکلام، قیل: ولهذا استغنى عنه بجمع القلة توسعا، وقد ورد فی الآثار ما یدل على کثرة الأزواج فی الجنة من الحور وغیرهن، ویقال: الزوج للذکر والأنثى، ویکون لأحد المزدوجین ولهما معا، ویقال: للأنثى زوجة فی لغة تمیم وکثیر من قیس، والمراد هنا بالأزواج النساء اللاتی تختص بالرجل لا یشرکه فیها غیره، ولیس فی المفهوم اعتبار التوالد الذی هو مدار بقاء


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب