تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٠٦   

ما تحلل دائما أبدا؟ وسبحان القادر الحکیم الذی لا یعجزه شیء.
* (إن الله لا یستحى أن یضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذین ءامنوا فیعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذین کفروا فیقولون ماذآ أراد الله بهاذا مثلا یضل به کثیرا ویهدی به کثیرا وما یضل به إلا ا الفاسقین) *
* (إن الله لا یستحی أن یضرب مثلا ما بعوضة) * قال ابن عباس رضی الله تعالى عنهما وغیره: نزلت فی الیهود لما ضرب الله تعالى الأمثال فی کتابه بالعنکبوت والذباب وغیر ذلک مما یستحقر قالوا: إن الله تعالى أعز وأعظم من أن یضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فرد الله تعالى علیهم بهذه الآیة. ووجه ربطها بما تقدم على هذا وکان المناسب علیه أن توضع فی سورة العنکبوت مثلا أنها جواب عن شبهة تورد على إقامة الحجة على حقیة القرآن بأنه معجز فهی من الریب الذی هو فی غایة الاضمحلال فکان ذکرها هنا أنسب، وقال مجاهد وغیره: نزلت فی المنافقین قالوا - لما ضرب الله سبحانه المثل بالمستوقد والصیب - الله تعالى أعلى وأعظم من أن یضرب الأمثال بمثل هذه الأشیاء التی لا بال لها فرد الله تعالى علیهم ووجه الربط علیه ظاهر فإنها للذب عن التمثیلات السابقة على أحسن وجه وأبلغه، وقیل: إنها متصلة بقوله تعالى: * (فلا تجعلوا لله أندادا) * (البقرة: 22) أی: لا یستحی أن یضرب مثلا لهذه الأنداد، وقیل: هذا مثل ضرب للدنیا وأهلها فإن البعوضة تحیا ما جاعت وإذا شبعت ماتت، کذلک أهل الدنیا إذا امتلؤا منها هلکوا، أو مثل لأعمال العباد وأنه لا یمتنع أن یذکر منها ما قل أو کثر لیجازى علیه ثوابا وعقابا، وعلى هذین القولین لا ارتباط للآیة بما قبلها بل هی ابتداء کلام، وهذا وإن جاز لا أقول به إذ المناسب بکل آیة أن ترتبط بما قبلها وفی الآیة إشارة إلى حسن التمثیل کیف والله سبحانه مع عظمته وبالغ حکمته لم یترکه ولم یستح منه: وما انفکت الأمثال فی الناس سائرة
والحیاء کما قال الراغب انقباض النفس عن القبائح، وهو مرکب من جبن وعفة، ولیس هو الخجل بل ذاک حیرة النفس لفرط الحیاء فهما متغایران وإن تلازما، وقال بعضهم: الخجل لا یکون إلا بعد صدور أمر زائد لا یریده القائم به بخلاف الحیاء فإنه قد یکون مما لم یقع فیترک لأجله، وما فی " القاموس " خجل استحی تسامح، وهو مشتق من الحیاة لأنه یؤثر فی القوة المختصة بالحیوان وهی قوة الحس والحرکة، والآیة تشعر بصحة نسبة الحیاء إلیه تعالى لأنه فی العرف لا یسلب الحیاء إلا عمن هو شأنه، على أن النفی داخل على کلام فیه قید فیرجع إلى القید فیفید ثبوت أصل الفعل أو إمکانه لا أقل، وأما فی الأحادیث فقد صرح بالنسبة - وللناس فی ذلک مذهبان - فبعض یقول بالتأویل إذ الانقباض النفسانی مما لا یحوم حول حظائر قدسه سبحانه، فالمراد بالحیاء عنده الترک اللازم للانقباض، وجوز جعل ما هنا بخصوصه من باب المقابلة لما وقع فی کلام الکفرة بناء على ما روی أنهم قالوا: ما یستحی رب محمد أن یضرب الأمثال بالذباب والعنکبوت، وبعض - وأنا والحمد لله منهم - لا یقول بالتأویل بل یمر هذا وأمثاله مما جاء عنه سبحانه فی الآیات والأحادیث على ما جاءت ویکل علمها بعد التنزیه عما فی الشاهد إلى عالم الغیب والشهادة، وقرأ الجمهور (یستحیی) بیاءین والماضی استحیا، وجاء استفعل هنا للإغناء عن الثلاثی المجرد کاستأثر، وقرأ ابن کثیر فی روایة وقلیلون بیاء واحدة وهی لغة بنی تمیم، وهل المحذوف اللام فالوزن یستفع، أو العین فالوزن یستفل؟ قولان: أشهرهما الثانی، وهذا الفعل مما یکون متعدیا بنفسه وبالحرف فیقال: استحییته واستحیت منه، والآیة تحتملهما. والضرب إیقاع شیء على شیء، وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذکر شیء یظهر أثره فی غیره، فمعنى یضرب هنا یذکر، وقیل: یبین، وقیل: یضع من * (ضربت علیهم الذلة) * (البقرة: 61) و (ما) اسم بمعنى شیء یوصف به النکرة لمزید الإبهام ویسد طرق التقیید، وقد یفید التحقیر أیضا - کأعطه شیئا ما - والتعظیم - کلأمر ما جدع قصیر أنفسه - والتنویع - کاضربه ضربا ما - وقد تجعل سیف خطیب، والقرآن أجل من أن یلغى فیه شیء، وبعوضة إما صفة - لما - أو بدل منها أو عطف بیان إن قیل بجوازه فی النکرات أو بدل من * (مثلا) * أو عطف بیان له إن قیل ما زائدة، أو مفعول



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب