تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٠۷   

و * (مثلا) * حال وهی المقصودة، أو منصوب على نزع الخافض أی: ما من بعوضة فما فوقها کما نقل عن الفراء. والفاء بمعنى إلى، أو مفعول ثان؛ أو أول بناء على تضمن الضرب معنى الجعل، ولا یرد على إرادة العموم أن مثال المعنى على المشهور أن الله لا یترک أی مثل کان فیقتضی أن جمیع الأمثال مضروبة فی کلامه فأین هی لأن المنفی لیس مطلق الترک بل الترک لأجل الاستحیاء؟ فالمعنى لا یترک مثلا ما استحیاء وإن ترکه لأمر آخر أراده، وقرأ ابن أبی عبلة وجماعة: (بعوضة) بالرفع والشائع على أنه خبر، واختلفوا فیما یکون عنه خبرا؛ فقیل: مبتدأ محذوف أی هی أو هو بعوضة، والجملة صلة (ما) على جعلها موصولة، وهو تخریج کوفی لحذف صدر الصلة من غیر طول، وقیل: (ما) بناء على أنها استفهامیة مبتدأ، واختار فی " البحر " أن تکون (ما) صلة أو صفة وهی (بعوضة) جملة کالتفسیر لما انطوى علیه الکلام، وقیل: * (بعوضة) * مبتدأ، و * (ما) * نافیة والخبر محذوف أی متروکة لدلالة * (لا یستحی) * علیه.
والبعوضة واحد البعوض، وهو طائر معروف، وفیه من دقیق الصنع وعجیب الإبداع ما یعجز الإنسان أن یحیط بوصفه ولا ینکر ذلک إلا نمرود. وهو فی الأصل صفة على فعول کالقطوع، ولذا سمی فی لغة هذیل خموش فغلبت، واشتقاقه من البعض بمعنى القطع * (فما فوقها) * الفاء عاطفة ترتیبیة، و * (ما) * عطف على * (بعوضة) * أو * (ما) * إن جعل اسما والتفصیل وما فیه غیر خفی. والمراد بالفوقیة إما الزیادة فی حجم الممثل به فهو ترق من الصغیر للکبیر وبه قال ابن عباس أو الزیادة فی المعنى الذی وقع التمثیل فیه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقیر للأحقر، وهذان الوجهان على القراءة المشهورة وأما على قراءة الرفع فقد قالوا: إن جعلت * (ما) * موصولة ففیه الوجهان، وإن جعلت استفهامیة تعین الأول لأن العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاک، وقیل: أراد: ما فوقها وما دونها فاکتفى بأحد الشیئین عن الآخر على حد * (سرابیل تقیکم الحر) * (النحل: 81) فافهم.
* (فأما الذین ءامنوا فیعلمون أنه الحق من ربهم) * تفصیل لما أشار إلیه قوله تعالى: * (إن الله لا یستحی) * الخ من أنه وقع فیه ارتیاب بین التحقیق والارتیاب، أو لما یترتب على ضرب المثل من الحکم إثر تحقیق حقیة صدوره عنه سبحانه، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما یشیر إلیه ما قبلها، وکأنه قیل کما قیل فیضربه * (فأما الذین) * الخ، وتقدیم بیان حال المؤمنین لشرفه، وأما على ما علیه المحققون حرف متضمنة لمعنى الشرط ولذا لزمتها الفاء غالبا، وتفید مع هذا تأکید ما دخلت علیه من الحکم؛ وتکون لتفصیل مجمل تقدمها صریحا، أو دلالة، أو لم یتقدم لکنه حاضر فی الذهن ولو تقدیرا، ولما کان هذا خلاف الظاهر فی کثیر من موارد استعمالها جعله الرضى والمرتضى من المحققین أغلبیا، وفسر سیبویه - أما زید فذاهب - بمهما یکن من شیء فزید ذاهب ولیس المراد به أنها مرادفة لذلک الاسم، والفعل إذ لا نظیر له، بل المراد أنها لما أفادت التأکید وتحتم الوقوع فی المستقبل کان مآل المعنى ذلک، ولما أشعرت بالشرطیة قدر شرط یدل على تحتم الوقوع وهو وجود شیء ما فی الدنیا إذ لا تخلو عنه فما علق علیه محقق، وحیث کان المعنى ما ذکر سیبویه. ومهما مبتدأ والاسمیة لازمة له، ویکن فعل شرط والفاء لازمة تلیه غالبا، وقامت - أما ذلک المقام - لزمها الفاء ولصوق الاسم إقامة لللازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره فی الجملة وکان الأصل دخول الفاء على الجملة فیما ذکر لأنها الجزاء لکن کرهوا إیلاءها حرف الشرط فأدخلوا الخبر وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظا، وقد یقدم على الفاء - کما فی الرضى - من أجزاء الجزاء المفعول به والظرف والحال إلى غیر ذلک مما عدوه على ما فیه، وفی تصدیر الجملتین بها من الإحماد والذم ما لا یخفى. والمراد بالموصول فریق المؤمنین المعهودین کما أن المراد بالموصول الآتی فریق الکفرة الطاغین لا من یؤمن بضرب المثل ومن یکفر به لاختلال المعنى، والضمیر فی * (أنه) * للمثل وهو أقرب،


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب