|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۱۹
الناطقة فی الحقیقة، وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة والنفوس الفلکیة التی تحرک الأفلاک، وهی عندنا منقسمة إلى قسمین. قسم شأنهم الاستغراق فی معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغیره * (یسبحون اللیل والنهار لا یفترون) * (الأنبیاء: 20)، وهم العلیون والملائکة المقربون. وقسم یدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم * (لا یعصون الله ما أمرهم ویفعلون ما یؤمرون) * (التحریم: 6) وهم * (المدبرات أمرا) * (النازعات: 5) فمنهم سماویة ومنهم أرضیة، ولا یعلم عددهم إلى الله. وفی الخبر " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فیها موضع قدم إلا وفیه ملک ساجد أو راکع " وهم مختلفون فی الهیآت متفاوتون فی العظم، لا یراهم على ما هم علیه إلا أرباب النفوس القدسیة. وقد یظهرون بأبدان یشترک فی رؤیتها الخاص والعام وهم على ما هم علیه، حتی قیل: إن جبریل علیه السلام فی وقت ظهوره فی صورة دحیة الکلبی بین یدی المصطفى صلى الله علیه وسلم لم یفارق سدرة المنتهى، ومثله یقع للکمل من الأولیاء، وهذا ما وراء طور العقل - وأنا به من المؤمنین - وقد ذکر أهل الله قدس الله تعالى أسرارهم أن أول مظهر للحق جل شأنه العما، ولما انصبغ بالنور فتح فیه صور الملائکة المهیمین الذین هم فوق عالم الأجساد الطبیعیة ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم. فلما أوجدهم تجلى لهم باسمه الجمیل فهاموا فی جلال جماله، فهم لا یفیقون، فلما شاء أن یخلق عالم التدوین والتسطیر عین واحدا من هؤلاء - وهو أول ملک ظهر عن ملائکة ذلک النور - سماه العقل والقلم، وتجلى فی مجلى التعلیم الوهبی بما یرید إیجاده من خلقه لا إلى غایة، فقبل بذاته علم ما یکون، وما للحق من الأسماء الإلهیة الطالبة صدور هذا العالم الخلقی، فاشتق من هذا العقل ما سماه اللوح، وأمر القلم أن یتدلى إلیه ویودع فیه ما یکون إلى یوم القیامة لا غیر. فجعل لهذا العلم ثلثمائة وستین سنا من کونه قلما، ومن کونه عقلا ثلثمائة وستین تجلیا أو رقیقة کل سن أو رقیقة تفترق من ثلثمائة وستین صنفا من العلوم الإجمالیة فیفصلها فی اللوح، وأول علم حصل فیه علم الطبیعة فکانت دون النفس، وهذا کله فی عالم النور الخالص، ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التی هی فی مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق فأفاض علیها النور إفاضة ذاتیة بمساعدة الطبیعة، فلأم شعثها ذلک النور فظهر العرش، فاستوى علیه اسم الرحمن بالاسم الظاهر فهو أول ما ظهر من عالم الخلق، وخلق من ذلک النور الممتزج الملائکة الحافین، ولیس لهم شغل إلا کونهم - حافین من حول العرش یسبحون بحمد - ثم أوجد الکرسی فی جوف هذا العرش، وجعل فیه ملائکة من جنس طبیعته، فکل فلک أصل لما خلق فیه من عماره، کالعناصر فیما خلق فیها من عمارها، وقسم فی هذا الکرسی الکلمة إلى خبر وحکم، وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش کما ورد فی الخبر. ثم خلق فی جوف الکرسی الأفلاک فلکا فی جوف فلک، وخلق فی کل فلک عالما منه یعمرونه، وزینها بالکواکب * (وأوحى فی کل سماء أمرها) * (فصلت: 12) إلى أن خلق صور المولدات، وتجلى لکل صنف منها بحسب ما هی علیه، فتکون من ذلک أرواح الصور وأمرها بتدبیرها وجعلها غیر منقسمة بل ذاتا واحدة، ومیز بعضها عن بعض فتمیزت وکان تمییزها بحسب قبول الصور من ذلک التجلی، وهذه الصور فی الحقیقة کالمظاهر لتلک الأرواح، ثم أحدث سبحانه الصور الجسدیة الخیالیة بتجل آخر، وجعل لکل من الأرواح والصور غذاء یناسبه، ولا یزال الحق سبحانه یخلق من أنفاس العالم ملائکة ما داموا متنفسین، وسبحان من یقول للشیء کن فیکون. إذا علمت ذلک فاعلم أنهم اختلفوا فی الملائکة المقول لهم، فقیل: کلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص، فشمل المهیمین وغیرهم، وقیل: ملائکة الأرض بقرینة أن الکلام فی خلافة الأرض، وقیل: إبلیس ومن کان معه فی محاربة الجن
|