تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲۲۹   

الجباه بل کان مجرد تذلل وانقیاد، فاللام إما باقیة على ظاهرها، وإما بمعنى إلى مثلها فی قول حسان رضی الله عنه: ألیس أول من صلى لقبلتکم * وأعرف الناس بالقرآن والسنن أو للسببیة، مثلها فی قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوک الشمس) * (الإسراء: 78) وحکمة الأمر بالسجود إظهار الاعتراف بفضله علیه السلام، والاعتذار عما قالوا فیه مع الإشارة إلى أن حق الأستاذ على من علمه حق عظیم، وغیر سبحانه الأسلوب حیث قال أولا: * (وإذ قال ربک) * (البقرة: 30) وهنا * (وإذا قلنا) * بضمیر العظمة لأن فی الأول خلق آدم واستخلافه، فناسب ذکر الربوبیة مضافا إلى أحب خلفائه إلیه وهنا المقام مقام إبراد أمر یناسب العظمة وأیضا فی السجود تعظیم، فلما أمر بفعله لغیره أشار إلى کبریائه الغنیة عن التعظیم. وقرأ أبو جعفر بضم تاء * (الملائکة) * اتباعا لضم الجیم، وهی لغة أزدشنوأة وهی لغة غریبة عربیة ولیست بخطأ کما ظن الفارسی فقد روی أن امرأة رأت بناتها مع رجل، فقالت: - أفی السوأ تنتنه ترید أفی السوأة أنتنه.
* (فسجدوا إلا إبلیس) * الفاء لإفادة مسارعتهم فی الامتثال وعدم تثبطهم فیه، وإبلیس اسم أعجمی ممنوع من الصرف للعلمیة والعجمة، ووزنه فعلیل قاله الزجاج. وقال أبو عبیدة وغیره: إنه عربی مشتق من الإبلاس وهو الإبعاد من الخیر أو الیأس من رحمة الله تعالى، ووزنه على هذا مفعیل، ومنعه من الصرف حینئذ لکونه لا نظیر له فی الأسماء؛ واعترض بأن ذلک لم یعد من موانع الصرف مع أن له نظائر کإحلیل وإکلیل وفیه نظر، وقیل: لأنه شبیه بالأسماء الأعجمیة إذ لم یسم به أحد من العرب، ولیس بشیء، واختلف الناس فیه هل هو من الملائکة أم من الجن؟ فذهب إلى الثانی جماعة مستدلین بقوله تعالى: * (إلا إبلیس کان من الجن) * (الکهف: 50) وبأن الملائکة لا یستکبرون وهو قد استکبر، وبأن الملائکة کما روی مسلم عن عائشة رضی الله تعالى عنها خلقوا من النور وخلق الجن من مارج من نار وهو قد خلق مما خلق الجن کما یدل علیه قوله تعالى حکایة عنه: * (أنا خیر منه خلقتنی من نار وخلقته من طین) * (ص: 76) وعد ترکه السجود إباءا واستکبارا حینئذ إما لأنه کان ناشئا بین الملائکة مغمورا بالألوف منهم فغلبوا علیه وتناوله الأمر ولم یمتثل، أو لأن الجن أیضا کانوا مأمورین مع الملائکة، لکنه استغنى بذکرهم لمزید شرفهم عن ذکر الجن، أو لأنه علیه اللعنة کان مأمورا صریحا لا ضمنا کما یشیر إلیه ظاهر قوله تعالى: * (إذ أمرتک) * (الأعراف: 12) وضمیر * (فسجدوا) * راجع للمأمورین بالسجود. وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعین إلى الأول مستدلین بظاهر الاستثناء وتصحیحه بما ذکر تکلف لأنه وإن کان واحدا منهم لکن کان رئیسهم ورأسهم کما نطقت به الآثار فلم یکن مغمورا بینهم، ولأن صرف الضمیر إلى مطلق المأمورین مع أنه فی غایة البعد لم یثبت، إذ لم ینقل أن الجن سجدوا لآدم سوى إبلیس، وکونه مأمورا صریحا الآیة غیر صریحة فیه ودون إثباته خرط القتاد واقتضاء ما ذکر من الآیة کونه من جنس الجن ممنوع لجواز أن یراد کونه منهم فعلا، وقوله تعالى: * (ففسق) * کالبیان له، ویجوز أیضا أن یکون * (کان) * بمعنى صار کما روی أنه مسخ بسبب هذه المعصیة فصار جنیا کما مسخ الیهود فصاروا قردة وخنازیر سلمنا لکن لا منافاة بین کونه جنا وکونه ملکا، فإن الجن کما یطلق على ما یقابل الملک یقال على نوع منه على ما روی عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما وکانوا خزنة الجنة أو صاغة حلیهم. وقیل: صنف من الملائکة لا تراهم الملائکة مثلنا، أو أنه یقال للملائکة جن أیضا کما قاله ابن إسحاق لاجتنانهم واستتارهم عن أعین الناس، وبذلک


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب