|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٣٠
فسر بعضهم قوله تعالى: * (وجعلوا بینه وبین الجنة نسبا) * (الصافات: 158) وورد مثله فی کلام العرب، فقد قال الأعشى فی سیدنا سلیمان علیه السلام: وسخر من جن الملائک تسعة * قیاما لدیه یعملون بلا أجر وکون الملائکة لا یستکبرون وهو قد استکبر لا یضر، إما لأن من الملائکة من لیس بمعصوم وإن کان الغالب فیهم العصمة على العکس منا وفی " عقیدة أبی المعین النسفی " ما یؤید ذلک، وإما لأن إبلیس سلبه الله تعالى الصفات الملکیة وألبسه ثیاب الصفات الشیطانیة فعصى عند ذلک والملک ما دام ملکا لا یعصی. ومن ذا الذی یامی لا یتغیر وکونه مخلوقا من نار وهم مخلوقون من نور غیر ضار أیضا ولا قادح فی ملکیته لأن النار والنور متحدا المادة بالجنس واختلافهما بالعوارض، على أن ما فی أثر عائشة رضی الله تعالى عنها من خلق الملائکة من النور جار مجرى الغالب وإلا خالفه کثیر من ظواهر الآثار إذ فیها أن الله تعالى خلق ملائکة من نار وملائکة من ثلج وملائکة من هذا وهذه، وورد أن تحت العرش نهرا إذا اغتسل فیه جبریل علیه السلام وانتفض یخلق من کل قطرة منه ملک، وأفهم کلام البعض أنه یحتمل أن ضربا من الملائکة لا یخالف الشیاطین بالذات وإنما یخالفهم بالعوارض والصفات کالبررة والفسقة من الإنس والجن یشملهما وکان إبلیس من هذا الصنف، فعده ما شئت من ملک وجن وشیطان، وبذلک یحصل الجمع بین الأقوال والله تعالى أعلم بحقیقة الحال. ثم المشهور أن الاستثناء متصل إن کان من الملائکة، ومنقطع إن لم یکن منهم، وقد علمت تکلفهم لاتصاله مع قولهم بالثانی، وقد شاع عند النحاة والأصولیین أن المنقطع هو المستثنى من غیر جنسه، والمتصل هو المستثنى من جنسه، قال القرافی فی " العقد المنظوم ": وهو غلط فیهما، فإن قوله تعالى: * (لا تأکلوا أموالکم بینکم بالباطل إلا أن تکون تجارة) * (النساء: 29) و * (لا یذوقون فیها الموت إلا الموتة الأولى) * (الدخان: 56) و * (ما کان لمؤمن أن یقتل مؤمنا إلا خطأ) * (النساء: 92) الاستثناء فیه منقطع مع أن المستثنى من جنس ما قبله فیبطل الحدان، والحق أن المتصل ما حکم فیه على جنس ما حکمت علیه أولا بنقیض ما حکمت به ولا بد من هذین القیدین فمتى انخرم أحدهما فهو منقطع بأن کان غیر الجنس سواء حکم علیه بنقیضه أو لا نحو رأیت القوم إلا فرسا، فالمنقطع نوعان، والمتصل نوع واحد، ویکون المنقطع کنقیض المتصل، فإن نقیض المرکب بعدم أجزائه، فقوله تعالى: * (لا یذوقون) * الخ منقطع بسبب الحکم بغیر النقیض، لأن نقیضه ذاقوه فیها ولیس کذلک وکذلک * (إلا أن تکون تجارة) * لأنها لا تؤکل بالباطل بل بحق وکذلک * (إلا خطأ) * لأنه لیس له القتل مطلقا وإلا لکان مباحا فتنوع المنقطع حینئذ إلى ثلاثة، الحکم على الجنس بغیر النقیض، والحکم على غیره به أو بغیره، والمتصل نوع واحد فهذا هو الضابط وقیل: العبرة بالاتصال والانفصال الدخول فی الحکم وعدمه لا فی حقیقة اللفظ وعدمه، فتأمل ترشد. وأفهم کلام القوم نفعنا الله تعالى بهم أن جمیع المخلوقات علویها وسفلیها سعیدها وشقیها مخلوق من الحقیقة المحمدیة صلى الله علیه وسلم کما یشیر إلیه قول النابلسی قدس سره دافعا ما یرد على الظاهر: طه النبی تکونت من نوره * کل الخلیقة ثم لو ترک القطا وفی الآثار ما یؤید ذلک، إلا أن الملائکة العلویین خلقوا منه علیه الصلاة والسلام من حیث الجمال، وإبلیس من حیث الجلال، ویؤل هذا بالآخرة إلى أن إبلیس مظهر جلال الله سبحانه وتعالى، ولهذا کان منه ما کان ولم یجزع ولم یندم ولم یطلب المغفرة لعلمه أن الله تعالى یفعل ما یریده وأن ما یریده سبحانه هو الذی
|