|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٣٣
التغلیب مجازا ومعنى السکون والأمر موجودا فیهما حقیقة خفی الأمر، فأما أن یلتزم أن التغلیب قد یکون مجازا غیر لغوی بأن یکون التجوز فی الإسناد، أو یقال إنه لغوی لأن صیغة الأمر هنا للمخاطب وقد استعملت فی الأعم، وللتخلص عن ذلک قیل: إنه معطوف بتقدیر فلیسکن، وفیه أنه حینئذ یکون من عطف الجملة على الجملة فلا وجه للتأکید، والأمر یحتمل أن یکون للإباحة - کاصطادوا - وأن یکون للوجوب کما أن النهی فیما بعد للتحریم، وإیثاره على اسکنا للتنبیه على أنه علیه السلام المقصد بالحکم فی جمیع الأوامر وهی تبع له کما أنها فی الخلقة کذلک، ولهذا قال بعض المحققین: لا یصح إیراد زوجک بدون العطف بأن یکون منصوبا على أنه مفعول معه، والجنة فی المشهور دار الثواب للمؤمنین یوم القیامة لأنها المتبادرة عند الاطلاق ولسبق ذکرها فی السورة، وفی ظواهر الآثار ما یدل علیه، ومنها ما فی الصحیح من محاجة آدم وموسى علیهما السلام فهی إذن فی السماء حیث شاء الله تعالى منها، وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهانی وأناس إلى أنها جنة أخرى خلقها الله تعالى امتحانا لآدم علیه السلام وکانت بستانا فی الأرض بین فارس وکرمان، وقیل: بأرض عدن، وقیل: بفلسطین کورة بالشام ولم تکن الجنة المعروفة، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة کما فی * (اهبطوا مصرا) * (البقرة: 61) أو على ظاهره، ویجوز أن تکون فی مکان مرتفع قالوا: لأنه لا نزاع فی أنه تعالى خلق آدم فی الأرض ولم یذکر فی القصة أنه نقله إلى السماء ولو کان نقله إلیها لکان أولى بالذکر ولأنه سبحانه قال فی شأن تلک الجنة وأهلها * (لا یسمعون فیها لغوا ولا تأثیما * إلا قلیلا سلاما سلاما) * (الواقعة: 25، 26) و * (لا لغو فیها ولا تأثیم) * (الطور: 23) * (وما هم منها بمخرجین) * (الحجر: 48) وقد لغا إبلیس فیها وکذب وأخرج منها آدم وحواء مع إدخالهما فیها على وجه السکنى لا کإدخال النبی صلى الله علیه وسلم لیلة المعراج. ولأن جنة الخلد دار للنعیم وراحة ولیست بدار تکلیف، وقد کلف آدم أن لا یأکل من الشجرة ولان إبلیس کان من الکافرین وقد دخلها للوسوسة ولو کانت دار الخلد ما دخلها ولا کاد لأن الأکابر صرحوا بأنه لوجىء بالکافر إلى باب الجنة لتمزق ولم یدخلها لأنه ظلمة وهی نور ودخوله مستترا فی الجنة على ما فیه لا یفید، ولأنها محل تطهیر فکیف یحسن أن یقع فیها العصیان والمخالفة ویحل بها غیر المطهرین ولأن أول حمل حواء کان فی الجنة على ما فی بعض الآثار ولم یرد أن ذلک الطعام اللطیف یتولد منه نطفة هذا الجسد الکثیف، والتزام الجواب عن ذلک کله لا یخلو عن تکلف، والتزام ما لا یلزم وما فی حیز المحاجة یمکن حمله على هذه الجنة وکون حملها على ما ذکر یجری مجرى الملاعبة بالدین والمراغمة لإجماع المسلمین غیر مسلم، وقیل: کانت فی السماء ولیست دار الثواب بل هی جنة الخلد، وقیل: کانت غیرهما ویرد ذلک أنه لم یصح أن فی السماء بساتین غیر بساتین الجنة المعروفة، واحتمال أنها خلقت إذ ذاک ثم اضمحلت مما لا یقدم علیه منصف، وقیل: الکل ممکن والله تعالى على ما یشاء قدیر والأدلة متعارضة، فالأحوط والأسلم هو الکف عن تعیینها والقطع به، وإلیه مال صاحب " التأویلات "، والذی ذهب إلیه بعض سادتنا الصوفیة قدس الله تعالى أسرارهم أنها فی الأرض عند جبل الیاقوت تحت خط الاستواء ویسمونها جنة البرزخ وهی الآن موجودة وإن العارفین یدخلونها الیوم بأرواحهم لا بأجسامهم ولو قالوا: إنها جنة المأوى ظهرت حیث شاء الله تعالى وکیف شاء کما ظهرت لنبینا صلى الله علیه وسلم على ما ورد فی الصحیح فی عرض حائط المسجد لم یبعد على مشربهم ولو أن قائلا قال بهذا لقلت به لکن للتفرد فی مثل هذه المطالب آفات. وکما اختلف فی هذه الجنة اختلف فی وقت خلق زوجه علیه السلام، فذکر السدی عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضی الله تعالى عنهم أن الله تعالى لما أخرج إبلیس من الجنة وأسکنها آدم بقی فیها وحده وما کان معه من یستأنس به قألقى الله تعالى علیه النوم ثم أخذ ضلعا من جانبه الأیسر ووضع مکانه لحما وخلق حواء منه فلما استیقظ وجدها
|