|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٣۹
فی أوله کما أن النون إذا کانت تأکیدا له فی آخره وجیء بحرف الشک إذ لا قطع بالوقوع فإنه تعالى لا یجب علیه شیء بل إن شاء هدى وإن شاء ترک، وقیل: بالقطع واستعمال (إن) فی مقامه لا یخلو عن نکتة کتنزیل العالم منزلة غیره بعدم جریه على موجب العلم، ویحسنه سبق ما سیق وقوعه من آدم، وقیل: إن زیادة (ما) والتوکید بالثقیلة لا یتقاعد فی إفادة القطع عن إذا، نعم لا ینظر فیه إلى الزمان بل إلى أنه محقق الوقوع أبهم وقته، وأنت تعلم أن ما اخترناه أسلم وأبعد عن التلکف مما ذکر - وإن جل قائله فتدبر - و * (منی) * متعلق بما قبله، وفیه شبه الالتفات - کما فی " البحر " - وأتی بالضمیر الخاص هنا للرمز إلى أن اللائق - بمن - هدى التوحید الصرف وعدم الالتفات إلى الکثرة، ونکر - الهدى - لأن المقصود هو المطلق ولم یسبق فیه عهد فیعرف، وفی المراد به هنا أقوال، فقیل الکتب المنزلة، وقیل: الرسل، وقیل: محمد صلى الله علیه وسلم. ولعل المراد هدیه الذی جاء به نوابه علیهم الصلاة والسلام، والفاء فی * (فمن) * للربط و (ما) بعد جملة شرطیة وقعت جوابا للشرط الأول على حد - إن جئتنی فإن قدرت أحسنت إلیک - وقال السجاوندی: جوابه محذوف أی فاتبعوه، واختار أبو حیان کون (من) هذه موصولة لما فی المقابل من الموصول، ودخلت الفاء فی خبرها لتضمنها معنى الشرط، ووضع المظهر موضع المضمر فی هدای إشارة للعلیة لأن الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الاتباع، وبالنظر إلى أنه أضیف إلیه تعالى إضافة تشریف أحرى وأحق أن یتبع، وقیل: لم یأت به ضمیرا لأنه أعم من الأول لشموله لما یحصل بالاستدلال والعقل، ولم یقل الهدى لئلا تتبادر العینیة أیضا لأن النکرة فی الغالب إذا أعیدت معرفة کانت عین الأول مع ما فی الإضافة إلى نفسه تعالى من التعظیم ما لا یکون لو أتى به معرفا باللام، والخوف الفزع فی المستقبل، والحزن ضد السرور مأخوذ من الحزن - وهو ما غلظ من الأرض - فکأنه ما غلط من الهم، ولا یکون إلا فی الأمر الماضی على المشهور، ویؤل حینئذ نحو * (إنی لیحزننی أن تذهبوا به) * (یوسف: 13) بعلم ذلک الواقع، وقیل: إنه والخوف کلاهما فی المستقبل لکن الخوف استشعارهم لفقد مطلوب، والحزن استشعار غم لفوت محبوب، وجعل هنا نفی الخوف کنایة عن نفی العقاب، ونفی الحزن کنایة عن نفی الثواب وهی أبلغ من الصریح وآکد لأنها کدعوى الشیء ببینة، والمعنى - لا خوف علیهم - فضلا عن أن یحل بهم مکروه، ولا هم یفوت عنهم محبوب فیحزنوا علیه، فالمنفی عن الأولیاء خوف حلول المکروه والحزن فی الآخرة، وفیه إشارة إلى أنه یدخلهم الجنة التی هی دار السرور والأمن لا خوف فیها ولا حزن، وحینئذ یظهر التقابل بین الصنفین فی الآیتین. وقال بعض الکبراء: خوف المکروه منفی عنهم مطلقا. وأما خوف الجلال ففی غایة الکمال والمخلصون على خطر عظیم، وقیل: المعنى - لا خوف علیهم - من الضلال فی الدنیا، ولا حزن من الشقاوة فی العقبى، وقدم انتفاء الخوف لأن انتفاء الخوف فیما هو آت أکثر من انتفاء الحزن على ما فات. ولهذا صدر بالنکرة التی هی أدخل فی النفی، وقدم الضمیر إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وأن غیرهم یحزن. والمراد بیان دوام الانتفاء لا بیان انتفاء الدوام کما یتوهم من کون الخبر فی الجملة الثانیة مضارعا لما تقرر فی محله أن النفی وإن دخل على نفس المضارع یفید الدوام والاستمرار بحسب المقام، وذکر بعض الناس أن العدول عن لا خوف لهم أو عندهم إلى - لا خوف علیهم - للإشارة إلى أنهم قد بلغت حالهم إلى حیث لا ینبغی أن یخاف أحد علیهم. وفی " البحر " أنه سبحانه کنى بعلیهم عن الاستیلاء والإحاطة إشارة إلى أن الخوف لا ینتفی بالکلیة ألا ترى انصراف النفی على کونیة الخوف علیهم، ولا یلزم من نفی کونیة استیلاء الخوف انتفاؤه فی کل حال، فلا دلیل فی الآیة
|