|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٤٣
وفیه تأمل، ولا یخفى أن للوفاء عرضا عریضا، فأول المراتب الظاهرة منا الاتیان بکلمتی الشهادة، ومنه تعالى حقن الدماء والمال وآخرها منا الفناء حتى عن الفناء، ومنه تعالى التحلیة بأنوار الصفات والأسماء - فما روی من الآثار على اختلاف أسانیدها صحة وضعفا فی بیان الوفاء بالعهدین فبالنظر إلى المراتب المتوسطة، وهی لعمری کثیرة - ولک أن تقول: أول: المراتب منا توحید الأفعال، وأوسطها: توحید الصفات. وآخرها: توحید الذات، ومنه تعالى ما یفیضه على السالک فی کل مرتبة مما تقتضیه تلک المرتبة من المعارف والأخلاق، وقرأ الزهری * (أوف) * بالتشدید، فإن کان موافقا للمجرد فذاک؛ وإن أرید به التکثیر - والقلب إلیه یمیل - فهو إشارة إلى عظیم کرمه وإحسانه، ومزید امتنانه، حیث أخبر وهو الصادق، أنه یعطی الکثیر فی مقابلة القلیل، وهو صرح بذلک فی قوله سبحانه: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (الأنعام: 160) وانجزام الفعل لوقوعه فی جواب الأمر والجزم إما به نفسه أو بشرط مقدر، وهو اختیار الفارسی ونص سیبویه. * (وإیای فارهبون) * الرهبة الخوف مطلقا، وقیل: مع تحرز، وبه فارق الاتقاء، لأنه مع حزم ولهذا کان الأول: للعامة، والثانی: للأئمة، والأشبه بمواقع الاستعمال أن الاتقاء التحفظ عن المخوف، وأن یجعل نفسه فی وقایة منه، والرهبة نفس الخوف، وفی الأمر بها وعید بالغ، ولیس ذلک للتهدید والتهویل کما فی * (اعملوا ما شئتم) * (فصلت: 40) کما وهم لأن هذا مطلوب وذاک غیر مطلوب کما لا یخفى و (إیای) ضمیر منفصل منصوب المحل بمحذوف یفسره المذکور، والفاء عند بعضهم جزائیة زحلقت من الجزاء المحذوف إلى مفسره لیکون دلیلا على تقدیر الشرط، ویحتمل أن تکون مفسرة للفاء الجزائیة المحذوفة مع الجزاء، ومن أطلق الجزائیة علیها فقد توسع، ولا یجوز أن تکون عاطفة لئلا یجتمع عاطفان، واختار صاحب " المفتاح " أنها للعطف على الفعل المحذوف، فإن أرید التعقیب الزمانی أفادت طلب استمرار الرهبة فی جمیع الأزمنة بلا تخلل فاصل وإن أرید الرتبی کان مفادها طلب الترقی من رهبة إلى رهبة أعلى ولا یقدح فی ذلک اجتماعها مع واو العطف مثلا لأنها لعطف المحذوف على ما قبله وهذه الفاء لعطف المذکور على المحذوف وکون (فارهبون) مفسرا للمحذوف لا یقتضی اتحاده به من جمیع الوجوه وأن لا یفید معنى سوى التفسیر حتى لا یصح جعلها عاطفة، واستحسن هذا بعض المتأخرین لاشتماله على معنى بدیع خلت عنه الجزائیة، وقال بعضهم کالمتوسط فی المسألة: إنها عاطفة بحسب الأصل، وبعد الحذف زحلقت وجعلت جزائیة وعلى کل تقدیر فالآیة الکریمة آکد فی إفادة التخصیص من * (إیاک نعبد) * (الفاتحة: 5) وعد من وجوه التأکید تقدیم الضمیر المنفصل وتأخیر المتصل والفاء الموجبة معطوفا علیه ومعطوفا أحدهما مظهر والآخر مضمر تقدیره إیای ارهبوا * (فارهبون) * وما فی ذلک من تکریر الرهبة وما فیه من معنى الشرط بدلالة الفاء والمعنى إن کنتم متصفین بالرهبة فخصونی بالرهبة، وحذف متعلق الرهبة للعموم أی ارهبونی فی جمیع ما تأتون وتذرون، وقیل: ارهبون فی نقض العهد؛ ولعل التخصیص به مستفاد من ذکر الأمر بالرهبة معه ثم الخوف خوفان: خوف العقاب وهو نصیب أهل الظاهر، وخوف إجلال وهو نصیب أهل القلوب. وما روى عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما - أن المعنى ارهبون أن أنزل بکم ما أنزلت بمن کان قبلکم من آبائکم من النقمات التی قد عرفتم من المسخ وغیره - ظاهر فی قسم أهل الظاهر وهو المناسب بحال هؤلاء المخاطبین - الذین * (یعلمون ظاهرا من الحیاة الدنیا وهم عن الآخرة هم غافلون) * (الروم: 7) وحذفت یاء الضمیر من ارهبون لأنها فاصلة، وقرأ ابن أبی إسحق بالیاء على الأصل. * (وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معکم ولا تکونوا أول کافر به ولا تشتروا بآیاتی ثمنا قلیلا وإیاى فاتقون) * * (وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معکم) * عطف على ما قبله، وظاهره أنه
|