|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲٤٦
ولذا قیل الخشیة ملاک الأمر کله، وحیثما أراد بالخطاب فیما بعد - العلماء منهم، وحثهم على الإیمان ومراعاة الآیات - أمرهم بالتقوى التی أولها ترک المحظورات وآخرها التبری مما سوى غایة الغایات، ولیس وراء عبادان قریة. * (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتکتموا الحق وأنتم تعلمون) * * (ولا تلبسوا الحق با الباطل) * هذا النهی مع ما بعده معطوف على مجموع الآیة التی قبله وهی قوله تعالى: * (وآمنوا) * (البقرة: 41) الخ، وهذا کما قالوا فی قوله تعالى: * (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) * (الحدید: 3) إن مجموع الوصفین الأخیرین بعد اعتبار التعاطف معطوف على مجموع الأولین کذلک، ویجوز العطف على جملة واحدة من الجمل السابقة إلا أن المناسبة على الأول أشد واللاءمة أتم. واللبس بفتح اللام الخلط، وفعله لبس من باب ضرب ویکون بمعنى الاشتباه إما بالاشتراک أو الحقیقة والمجاز: والباء إما للتعدیة أو للاستعانة واللام فی - الحق والباطل - للعهد أی لا تخلطوا الحق المنزل فی التوراة بالباطل الذی اخترعتموه وکتبتموه أولا تجعلوا ذلک ملتبسا مشتبها غیر واضح لا یدرکه الناس بسبب الباطل وذکره، ولعل الأول أرجح لأنه أظهر وأکثر لا لأن جعل وجود الباطل سببا للالتباس الحق لیس أولى من العکس لما أنه لما کان المذموم هو التباس الحق بالباطل - وإن لزمه العکس وکان هذا طارئا على ذلک - استحق الأولویة التی نفیت. * (وتکتموا الحق) * مجزوم بالعطف على * (تلبسوا) * فالنهی عن کل واحد من الفعلین، وجوزوا أن یکون منصوبا على إضمار - أن - وهو عند البصریین عطف على مصدر متوهم. وروى الجرمی إن النصب بنفس الواو - وهی عندهم بمعنى مع - وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن العطف، والمراد لا یکن منکم لبس الحق على من سمعه وکتمان الحق وإخفاؤه عمن لم یسمعه، والقصد أن ینعى علیهم سوء فعلهم الذی هو الجمع بین أمرین کل منهما مستقل بالقبح، ووجوب الانتهاء وطریق واسع إلى الإضلال والإغواء، وحیث کان التلبیس بالنسبة إلى من سمع، والکتمان إلى من لم یسمع اندفع السؤال بأن النهی عن الجمع بین شیئین إنما یتحقق إذا أمکن افتراقهما فی الجملة ولیس - لبس الحق بالباطل مع کتمان الحق کذلک - ضرورة أن لبس الحق بالباطل کتمان له، وکرر الحق إما لأن المراد بالأخیر لیس عین الأول بل هو نعت النبی صلى الله علیه وسلم خاصة، وإما لزیادة تقبیح المنهی عنه إذ فی التصریح باسم الحق ما لیس فی ضمیره، وقرأ ابن مسعود رضی الله تعالى عنه (وتکتمون) وخرجت على أن الجملة فی موضع الحال - أی وأنتم تکتمون، أو کاتمین - وفی جواز اقتران الحال المصدرة بالمضارع بالواو قولان، ولیس للمانع دلیل یعتمد علیه، وهذه الحال عند بعض المحققین لازمة والتقیید لإفادة التعلیل کما فی - لا تضرب زیدا وهو أخوک - وعلیه یکون المراد بکتمان الحق ما یلزم من لبس الحق بالباطل لا إخفائه عمن لا یسمع، وجوز أن تکون معطوفة على جملة النهی على مذهب من یرى جواز ذلک - وهو سیبویه وجماعة - ولا یشترط التناسب فی عطف الجمل. * (وأنتم تعلمون) * جملة حالیة ومفعول * (تعلمون) * محذوف اقتصارا - أی وأنتم من ذوی العلم - ولا یناسب من کان عالما أن یتصف بالحال الذی أنتم علیه، ولا یبعد أن یکون الحذف للاختصار - أی وأنتم تعلمون أنکم لابسون کاتمون - أو تعلمون صفته صلى الله علیه وسلم أو البعث والجزاء، والمقصود من تقیید النهی بالعلم زیادة تقبیح حالهم لأن الإقدام على هاتیک الأشیاء القبیحة مع العلم بما ذکر أفحش من الإقدام علیها مع الجهل - ولیس من یعلم کمن لا یعلم - وجوز ابن عطیة أن تکون هذه الجملة معطوفة وإن کانت ثبوتیة على ما قبلها من جملة النهی، وإن لم تکن مناسبة فی الإخبار، وهی عنده شهادة علیهم بعلم حق مخصوص فی أمر النبی
|