|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۵٦
شیء حی) * (الأنبیاء: 30) سببا لإعدامهم من الوجود، وفیه إشارة إلى تقنیطهم وانعکاس آمالهم کما قیل: إلى الماء یسعى من یغص بلقمة * (إلى أین) یسعى من یغص بماء ولما کان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة - ولهذا کان الغریق المسلم شهیدا - جعله الله تعالى نکالا لمن ادعى الربوبیة وقال: * (أنا ربکم الأعلى) * (النازعلات: 24) وعلى قدر الذنب یکون العقاب. ویناسب دعوى الربوبیة والاعتلاء انحطاط المدعی وتغییبه فی قعر الماء، ولک أن تقول لما افتخر فرعون بالماء کما یشیر إلیه قوله تعالى حکایة عنه: * (ألیس لی ملک مصر وهذه الأنهار تجری من تحتی) * (الزخرف: 51) جعل الله تعالى هلاکه بالماء، وللتابع حظ وافر من المتبوع - وکان ذلک الغرق والإنجاء، والإغراق یوم عاشوراء - والکلام فیه مشهور. * (وأنتم تنظرون) * جملة حالیة وفیها تجوز أی وآباؤکم ینظرون، والمفعول محذوف أی جمیع ما مر فإن أرید الأحکام فالنظر بمعنى العلم - وعلیه ابن عباس رضی الله تعالى عنه - وإن نفس الأفعال من الغرق والإنجاء. والإغراق فهو بمعنى المشاهدة - وعلیه الجمهور - والحال على هذا من الفاعل وهو معمول بجمیع الأفعال السابقة على التنازع، وفائدته: تقریر النعمة علیهم کأنه قیل: وأنتم لا تشکون فیها، وجوز أن یقدر المفعول خاصا أی غرقهم، وإطباق البحر علیهم فالحال متعلق بالقریب، وهو * (أغرقنا) * وفائدته: تتمیم النعمة فإن هلاک العدو نعمة؛ ومشاهدته نعمة أخرى، وفی " قصص الکسائی " أن بنی إسرائیل حین عبروا البحر وقفوا ینظرون إلى البحر وجنود فرعون، ویتأملون کیف یفعلون، أو انفلاق البحر فیکون الحال متعلقا بالأصل فی الذکر، وهو * (فرقنا) * وفائدته: إحضار النعمة لیتعجبوا من عظم شأنها، ویتعرفوا إعجازها، أو ذلک الآل الغریق فالحال من مفعول * (أغرقنا) * متعلق به والفائدة: تحقیق الإغراق وتثبیته، وقیل: المراد ینظر بعضکم بعضا وأنتم سائرون فی البحر، وذلک أنه نقل أن بعض قوم موسى قالوا له: أی أصحابنا؟ فقال: سیروا فإنهم على طریق مثل طریقکم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم فأوحى الله تعالى أن قل بعصاک هکذا فقال بها على الحیطان فصار بها کوى فتراأوا وسمعوا کلام بعضهم بعضا فالحال متعلق بفرقنا وفائدته: تتمیم النعمة فإن کونهم مستأنسین یرى بعضهم - حال بعض آخر - نعمة أخرى، وبعض الناس یجعل الفعل على هذا الوجه منزلا منزلة اللازم ولیس بالبعید، نعم البعید جعل النظر هنا مجازا عن القرب أی وأنتم بالقرب منهم أی بحال لو نظرتم إلیهم لرأیتموهم کقولهم - أنت منی بمرأى ومسمع - أی قریب منی بحیث أراک وأسمعک، وکذا جعله بمعنى الاعتبار أی وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التی أرسلت علیهم. هذا وقد حکوا فی کیفیة خروج بنی إسرائیل وتعنتهم وهم فی البحر، وفی کیفیة خروج فرعون بجنوده، وفی مقدار الطائفتین حکایات مطولة جدا لم یدل القرآن ولا الحدیث الصحیح علیها والله تعالى أعلم بشأنها. والإشارة: فی الآیة أن البحر هو الدنیا وماءه شهواتها ولذاتها، وموسى هو القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، وهم أعداء موسى، وقومه یطلبونهم لیقتلوهم، وهم سائرون إلى الله تعالى، والعدو من خلفهم، وبحر الدنیا أمامهم، ولا بد لهم فی السیر إلى الله تعالى من عبوره ولو یخوضونه بلا ضرب عصا لا إله إلا الله بید موسى - القلب فإن له یدا بیضاء فی هذا الشأن - لغرقوا کما غرق فرعون وقومه، ولو کانت هذه العصا فی ید فرعون النفس لم ینفلق فکما أن ید موسى القلب شرط فی الانفلاق کذلک عصا الذکر شرط فیه، فإذا حصل الشرطان، وضرب موسى بعصا الذکر مرة بعد أخرى ینفلق بإذن الله بحر الدنیا بالنفی وینشبک ماء الشهوات یمینا وشمالا، ویرسل الله تعالى ریح العنایة، وشمس الهدایة على قعر ذلک البحر فیصیر یابسا من ماء الشهوات فیخرج موسى وقومه بعنایة التوحید
|