تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲۵۹   

وفی الفرقان أقوال: الأول: إنه هو التوراة أیضا، والعطف من قبیل عطف الصفات للإشارة إلى استقلال کل منها، فإن التوراة لها صفتان یقالان بالتشکیک، کونها کتابا جامعا لما لم یجمعه منزل سوى القرآن، وکونها (فرقانا) أی حجة تفرق بین الحق والباطل - قاله الزجاج - ویؤید هذا قوله تعالى: * (ولقد آتینا موسى وهرون الفرقان وضیاءا وذکرا) * (الأنبیاء: 48) الثانی: أنه الشرع الفارق بین الحلال والحرام، فالعطف مثله فی: * (تنزل الملائکة والروح) * (القدر: 4) قاله ابن بحر. الثالث: أنه المعجزات الفارقة بین الحق والباطل - من العصا والید وغیرهما - قاله مجاهد.
الرابع: إنه النصر الذی فرق بین العدو والولی، وکان آیة لموسى علیه السلام، ومنه قیل لیوم بدر: یوم الفرقان، قاله ابن عباس رضی الله تعالى عنهما، وقیل: إنه القرآن، ومعنى إتیانه لموسى علیه السلام نزول ذکره له حتى آمن به، حکاه ابن الأنباری - وهو بعید - وأبعد منه، ما حکی عن الفراء وقطرب - أنه القرآن - والکلام على حذف مفعول - أی ومحمدا الفرقان - وناسب ذکر الاهتداء إثر ذکر إتیان موسى، الکتاب والفرقان لأنهما یترتب علیهما ذلک لمن ألقى السمع وهو شهید.
* (وإذ قال موسى لقومه ی‌اقوم إنکم ظلمتم أنفسکم باتخاذکم العجل فتوبوا إلى بارئکم فاقتلوا أنفسکم ذالکم خیر لکم عند بارئکم فتاب علیکم إنه هو التواب الرحیم) *
* (وإذ قال موسى لقومه ی‌اقوم إنکم ظلمتم أنفسکم باتخاذکم العجل) * نعمة أخرویة فی حق المقتولین من بنی إسرائیل حیث نالوا درجة الشهداء، کما أن العفو نعمة دنیویة فی حق الباقین، وإنما فصل بینهما بقوله: وإذ آتینا) * (البقرة: 53) الخ؛ لأن المقصود تعداد النعم - فلو اتصلا لصارا نعمة واحدة - وقیل: هذه الآیة وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذکیر بالنعم - ولیس بشیء - واللام فی * (لقومه) * للتبلیغ، وفائدة ذکره التنبیه على أن خطاب موسى لقومه کان مشافهة لا بتوسط من یتلقى منه - کالخطابات المذکورة سابقا لبنی إسرائیل - والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده امرىء - وقیاسه أن لا یجمع - وشذ جمعه على - أقاویم - والمشهور اختصاصه بالرجال لقوله تعالى: * (لا یسخر قوم من قوم) * مع قوله: * (ولا نساء من نساء) * (الحجرات: 11) وقال زهیر: فما أدری وسوف أخال أدری * أ (قوم) آل حصن أم (نساء)
وقیل: لا اختصاص له بهم، بل یطلق على النساء أیضا لقوله تعالى: * (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) * (نوح: 1) والأول أصوب، واندراج النساء على سبیل الاستتباع، والتغلیب والمجاز خیر من الاشتراک، وسمی الرجال قوما لأنهم یقومون بما لا یقوم به النساء، وفی إقبال موسى علیهم بالنداء، ونداؤه لهم بیا قوم إیذان بالتحنن علیهم وأنه منهم وهم منه، وهز لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقریعهم بأنهم ظلموا أنفسهم والباء فی * (باتخاذکم) * سببیة وفی - الاتخاذ - هنا الاحتمالان السابقان هناک.
* (فتوبوا إلى بارئکم) * الفاء للسببیة - لأن الظلم سبب للتوبة - وقد عطفت ما بعدها على * (إنکم ظلمتم) * والتوافق فی الخبریة والإنشائیة إنما یشترط فی العطف - بالواو - وتشعر عبارات بعض الناس أنها للسببیة دون العطف، والتحقیق أنها لهما معا، والبارىء هو الذی خلق الخلق بریا - من التفاوت - وعدم تناسب الأعضاء وتلائم الأجزاء بأن تکون إحدى الیدین فی غایة الصغر والرقة، والأخرى بخلافه؛ ومتمیزا بعضه عن بعض بالخواص والإشکال والحسن والقبح - فهو أخص من الخالق - وأصل الترکیب لخلوص الشیء وانفصاله عن غیره إما على سبیل التفصی - کبرء المریض - أو الإنشاء - کبرأ الله تعالى آدم - أی خلقه ابتداء متمیزا عن لوث الطین، وفی ذکره فی هذا المقام تقریع بما کان منهم من ترک عبادة العالم الحکیم الذی برأهم بلطف حکمته حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى ونزول أمره بأن یفک ما رکبه من خلقهم،


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب