تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲۷٦   

، والتعبیر عن الأشیاء المسؤولة ب (ما) للاستهجان بذکرها، وقرأ النخعی ویحیى: * (سألتم) * بکسر السین. * (وضربت علیهم الذلة والمسکنة) * أی جعل ذلک محیطا بهم إحاطة القبة بمن ضربت علیه، أو ألصق بهم من ضرب الطین على الحائط ففی الکلام استعارة بالکنایة حیث شبه ذلک بالقبة أو بالطین، و (ضربت) استعارة تبعیة تحقیقیة لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم، وعلى الوجهین فالکلام کنایة عن کونهم أذلاء متصاغرین، وذلک بما ضرب علیهم من الجزیة التی یؤدونها عن ید وهم صاغرون، وبما ألزموه من إظهار الزی لیعلم أنهم یهود ولا یلتبسوا بالمسلمین وبما طبعوا علیه من فقر النفس وشحها فلا ترى ملة من الملل أحرص منهم، وبما تعودوا علیه من إظهار سوء الحال مخافة أن تضاعف علیهم الجزیة إلى غیر ذلک مما تراه فی الیهود الیوم، وهذا الضرب مجازاة لهم على کفران تلک النعمة، وبهذا ارتبطت الآیة بما قبلها، وإنما أورد ضمیر الغائب للإشارة إلى أن ذلک راجع إلى جمیع الیهود، وشامل للمخاطبین، بقوله تعالى: * (فإن لکم ما سألتم) * ولمن یأتی بعدهم إلى یوم القیامة فلیس من قبیل الالتفات على ما وهم * (وباءوا بغضب من الله) * أی نزلوا وتمکنوا بما حل بهم من البلاء والنقم فی الدنیا، أو بما تحقق لهم من العذاب فی العقبى؛ أو بما کتب علیهم من المکاره فیهما - أو رجعوا بغضب - أی صار علیهم، ولذا لم یحتج إلى اعتبار المرجوع إلیه، أو صاروا أحقاء به، أو استحقوا العذاب بسببه - وهو بعید - وأصل - البواء - بالفتح والضم مساواة الأجزاء ثم استعمل فی کل مساواة فیقال: هو بواء فلان أی کفؤه، ومنه بؤ - لشسع نعل کلیب - وحدیث: " فلیتبوأ مقعده من النار " وفی وصف الغضب بکونه من الله تعالى تعظیم لشأنه بعد تعظیم وتفخیم بعد تفخیم.
* (ذلک بأنهم کانوا یکفرون بای‌ات الله ویقتلون النبیین بغیر الحق) * أشار بذلک إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسکنة والبوء بالغضب العظیم، وإنما بعده لبعد بعضه حتى لو کان إشارة إلى البوء لم یکن على لفظ البعید، أو للإشارة إلى أنهم أدرکتهم هذه الأمور مع بعدهم عنها لکونهم أهل الکتاب، أو للإیماء إلى بعدها فی الفظاعة، والباء للسببیة وهی داخلة على المصدر المؤل ولم یعبر به، وعبر بما عبر تنبیها على تجدد الکفر والقتل منهم حینا بعد حین واستمرارهم علیهما فیما مضى، أو لاستحضار قبیح صنعهم، و (الآیات) إما المعجزات مطلقا أو التسع التی أتى بها موسى علیه السلام، أو ما جاء به من التسع وغیرها، أو آیات الکتب المتلوة مطلقا، أو التوراة أو آیات منها کالآیات التی فیها صفة رسول الله صلى الله علیه وسلم. أو التی فیها الرجم أو القرآن، وفی إضافة الآیات إلى اسمه تعالى زیادة تشنیع علیهم، وبدأ سبحانه بکفرهم بآیاته لأنه أعظم کل عظیم، وأردفه بقتلهم النبیین لأنه کالمنشأ له، وأتى بالنبیین الظاهر فی القلة دون الأنبیاء الظاهر فی الکثرة إذ الفرق بین الجمعین إذا کانا نکرتین وأما إذا دخلت علیهما (أل) فیتساویان - کما فی " البحر " - فلا یرد أنهم قتلوا ثلثمائة نبی فی أول النهار، وأقاموا سوقهم فی آخره، وقید القتل بغیر الحق مع أن قتل الأنبیاء لا یکون إلا کذلک للإیذان بأن ذلک بغیر الحق عندهم إذ لم یکن أحد معتقدا حقیة قتل أحد منهم علیهم السلام، وإنما حملهم علیه حب الدنیا، واتباع الهوى والغلو فی العصیان، والاعتداء فاللام فی الحق على هذا للعهد، وقیل: الأظهر أنها للجنس، والمراد بغیر حق أصلا إذ لام الجنس المبهم کالنکرة، ویؤیده ما فی آل عمران (21) * (بغیر حق) * فیفید أنه لم یکن حقا باعتقادهم أیضا، ویمکن أن یکون فائدة التقیید إظهار معایب صنیعهم فإنه قتل النبی ثم جماعة منهم ثم کونه بغیر الحق، وهذا أوفق بما هو الظاهر من کون المنهی القتل بغیر الحق فی نفس الأمر


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب